الصمت فضيلة

اكتشفت أن الصمت من الأشياء الممتعة التي يمكن ممارستها مجاناً ومن دون تكاليف، وكثيراً ما أجد المتعة في الصمت أكثر من متعة الحديث، فأسافر إلى مناطق الصمت الرحبة، حيث لا حدود ولا قيود، إنه فن لا يتقنه الكثيرون، بل قد يكون فناً من فنون الكلام، وربما أكثر فصاحة من الكلمات، قد نمارس الصمت لكن هناك ثرثرة كثيرة نحدث بها أنفسنا.

دار بخلدي، ربما عليّ أن أترك هذه المساحة خالية من الكلام تعبيراً عن الصمت، راودتني ابتسامة، فتجهمت، وفكرت، الواقع أننا عندما تمارس الصمت ستفهم أشياء كثيرة من حولك، بخلاف الثرثرة المتواصلة التي لا تنتهي من المحيطين بك في العمل والمنزل والشارع، ستجد أن الطبيعة تتحدث لغة الصمت وأنك قادر على فهم تلك اللغة.

وجدت أن الصمت لغة فريدة تحوي كل لغات العالم، لغة عميقة عندما يكون الكلام سطحياً، تخترق الحواجز وتصل إلى أعماق المستمع، قد يعده البعض نوعاً من الاحتجاج، أو العقاب، بل صرخة مدوية يسمعها الذين لا يعرفون سوى الحديث، فيصبح الصمت رحمة عندما نخشى على المستمع ألم وقع الكلمات، أو يصبح مطلوباً عندما يكثر الكلام فلا يعرف اللسان كيف ينطقه في آن معاً، أو يصبح وسيلة لإيصال الرسالة والكلمات التي رفضت الخروج لأن الصوت قد خذلها، أو لأن حروف الأبجدية قد خذلتها، عندما تنهار الكلمات، فلا نجد لها معنى، أو عندما نشعر برغبة في الهرب من حصار اللغة، تماماً كما فعل النبي زكريا عليه السلام عندما نذر الصيام عن الكلام ثلاثة أيام، أحياناً قد يبدو الصمت هو الحل الوحيد والملاذ الأخير الذي نلوذ به من صخب الحديث وضجيجه، وعندما يتعبنا الكلام أو نقع في خيبات الأمل أو لنجد فرصة للإنصات للآخرين أو لحديث النفس، أو عندما يرفض الآخر الإنصات.

بل إنه يكون أحياناً أفضل من الكلام، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» إذاً فممارسة الصمت فضيلة، بل هو ذهب خالص كما يقال في المثل العربي الشهير «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، وقيل أيضاً «إن في الصمت بلاغة»، وذلك دليل على حجم تأثير الصمت لدرجة قد تكون أكبر من تأثير الكلام، وجبران خليل جبران يقول: «قد يكون في الكلام بعض الراحة وقد يكون في الصمت بعض الفضيلة»، وقال أحد الفلاسفة «يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين عاماً ليتعلم الصمت»!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات