مدن الأمل

أنت تجوب المدن العربية، تتهادى بين الأزقة والشوارع، متذرعاً بحجة إعادة اكتشاف تاريخ المنطقة، لكنك تعرف أنك مجرد متسكع لا هدف لديه سوى الترحال، ترحال أبدي، بحث عن شيء ما، عن فكرة، عن حماقة، أو عن ذات تائهة بين أزقة المدن، تتسكع في الأسواق والمقاهي، تراقب وجوه الناس، تقرأ فيها الأمل ورغبة جامحة في الحياة.

تصل إلى وسط البلد في عمّان، زرت هذا المكان مئات المرات وفي كل مرة تكتشف أمراً جديداً، هذه المدينة من المدن التي تحبها، الناس هنا في هذه الساحة الشاسعة المنخفضة التي تحيط بها جبال عمان يتسمون بلطف غير عادي، كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، تجلس على صخرة معتقداً أنها معدة لذلك، بعض متاجر السوق الشعبي لا تزال تعمل، وثمة مقهى بائس في الجوار، المكان على بساطته غير أنه نابض بالحياة، الشوارع قديمة والمحال عتيقة جميلة، الناس هنا لا ينامون، يسهرون إلى وقت متأخر، ويحبون تناول الطعام بعد منتصف الليل.

وقد لا تجد متسعا في المطاعم الشعبية الشهيرة رغم تواضعها أو محال الكنافة العريقة هنا، عندما تكون في هذا المكان قد تشعر بأنك تتجول بين أزقة التاريخ، وعلى بعد بضعة أمتار يقع المدرج الروماني، ومتحف التاريخ الروماني والساحة الهاشمية المغلقة منذ عدة سنوات من أجل إعادة التأهيل، كل المدن تحرص على الحفاظ على مواقعها التاريخية، حفاظاً على أصالتها ودورها الحضاري على مر العصور.

تضطرب النفس، تشعر بتوق للرحيل، تذرع الشارع المرصوف بالحجارة جيئة وذهاباً، تشعر بأن الوقت لا يمضي، وكأنه توقف تماماً، وأمامك رحلة طويلة، يوقفك مسن، تشعر بألفة نحوه، يدردش معك بقصص طريفة ومغامرات مشوقة، يجعلك تضحك كثيراً، تشعر أنه ينتمي لهذا المكان، بل إنه جزء من المكان التاريخي، ويسرد لك تاريخ المدينة، مزهواً بأن المدينة واحدة من أقدم مدن العالم المأهولة بالسُكان حتى الوقت الحاضر، وأنها عرفت بالاسم القديم فيلادلفيا بينما اشتقت اسمها من ربوة مرتفعة تسمى عمون.

وفي بداية الألفية الرابعة قبل الميلاد قامت بعض القبائل القديمة بتشييد المباني فوق سبعة جبال تحيط بالمدينة ولذلك عرفت باسم مدينة التلال السبع، كما أنّها من المدن التي تعاقبت الشعوب والقبائل القديمة على سكنها، ولا تزال الآثار والشواهد التاريخية دليلاً على التاريخ العريق للمدينة، فجأة يتوقف عن الحديث المشوق، ينظر إليك ويصر على استضافتك في منزله، لكنك تعتذر لأن أمامك سفراً طويلاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات