على ضفاف التاريخ

الهواء البارد يتسرّب من نافذة السائق المفتوحة إلى مقصورة الحافلة المنطلقة بسرعة، لتخرج بنا من العاصمة الأردنية عمّان، شعرت بأن المدينة تعدو بسرعة أمامنا، بينما كنت أحاول تصفية ذهني الذي تراصّت بداخله علامات استفهام كثيرة.

كنت متحمساً لهذه الرحلة، شعرتُ بأنها مغامرة تحمل في طيّاتها أشياء كثيرة ومختلفة، بل لها طعمٌ مختلف، يمكنني تذوّق ذلك الطعم في فمي، هذه المرة، الرحلة لها علاقة بحضارتنا العربية وتاريخنا التليد، لذلك، فهي رحلة مهمة جداً بالنسبة لي، كل شيء تاريخي، أو يلقي التاريخ بظلاله عليه، لدرجة أن تجد نفسك محاصراً بين دفتي كتاب التاريخ والجغرافيا، ودارت بخلدي بعض الأفكار الغريبة، أفكار خيالية، ربما تحوّلت إلى أحلام يقظة.

الطريق يعبر بعض القرى التي تبدو بائسة، وتوقفنا في استراحة على الطريق، قبل أن نستأنف المسير عبر الطريق السريع.

همهمة المحرك الرتيبة، والصمت الذي يخيّم على رفاق الرحلة، يدفع على النعاس، حاولت كسر الصمت، بالقيام بدور المرشد السياحي، قلت: كما ترون يا رفاق، فإن هذا الطريق محفوفٌ بالجبال، وبينها تقع أخفض بقعة على سطح الكرة الأرضية، تعتبر امتداداً للانخفاض القاري، وتسمى الأغوار.

قال السائق الأردني أبو عبد الله: غور الأردن، سهل خصيب، تحيط به سهول شاسعة، وجدول صغير مهمل، يعبر متثاقلاً بطيئاً نحو 300 كيلومتر من السهول الممتدّة، إنه نهر «الأردن»، الذي يجري كسولاً في هذه الفيافي، ليصبّ في بحيرة «طبرية»، التي تكوّنت جرّاء حدوث الوادي المتصدع الكبير، ويستمر في جريانه.

ثم أضاف وهو ينظر إلى يساره، هناك في تلك الضفة الأخرى، تقع فلسطين، هذا النهر الصغير، يعتبر فاصلاً طبيعياً بين ضفتين، شرقية وغربية، أصبحتا في ما بعد دولتين منفصلتين، المملكة الأردنية شرقاً، وفلسطين المحتلة غرباً، ويصب نهر «الأردن» في مياه البحر الميت، المعروفة بملوحتها العالية، ويعتبر البحر الميت جزءاً من غور الأردن، إنه نهر أزلي مقدّس، المسيحيون يتقدسون فيه، يقيمون فيه طقوس التعميد، إنه إرث إنساني.

توقفنا قرب الجدول المتفرّع من النهر، اغتسلنا، وشربنا، وتسلقّنا الصخور، وقضينا بعض الوقت على ضفاف التاريخ نتأمل قبل إكمال المسير.

على ضفاف هذا النهر، دارت معارك كثيرة، مثل معركة «اليرموك» بين الروم والمسلمين في منطقة اليرموك شمالي الأردن، والتي انتصر فيها المسلمون، وفي نهايات القرن الماضي، دارت معركة «الكرامة» بين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي، والتي انتصر فيها الأردنيون.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات