الحياة رحلة

يصدح صوت كوكب الشرق بأغنية «فات الميعاد» من مذياع السيارة التي تنهب الطريق الصحراوي وهي تعبر نفق الشهيد أحمد حمدي الذي يربط قارتي أفريقيا وآسيا، الذي يربط شبه جزيرة سيناء بمدينة السويس وبقية الأراضي المصرية.

الطريق الصحراوي من القاهرة إلى شرم الشيخ، 6 ساعات أو أكثر قليلاً، نقاط التفتيش وكمائن الشرطة والجيش، تشعرك بنوع من الأمان والاطمئنان، سائق سيارة الأجرة متجهّم صامت طوال الطريق، بينما تغرق في بحر الذكريات والخيالات والأفكار التي تراودك كأحلام يقظة.

الحياة رحلة، صحراء شاسعة، بحر عميق، مرتفعات وجبال، ودروب طويلة لا متناهية، لا لذة في الخنوع والاستسلام أو البقاء على السواحل، المتعة عندما تتقاذفك أمواج الحياة، عندها تشعر بالدماء تسري في شرايينك، هناك محطات كثيرة في انتظار الاكتشاف، هنالك مرافئ وشواطئ بانتظارك، بل وعوالم غامضة مثيرة، كنوز من المعرفة والمغامرة، تعثر فيها على ذاتك مرة أخرى..!

في وقت ما من عمر الرحلة نتوقف في استراحة جانبية، يفتح السائق غطاء محرك سيارته، لترتاح وتبرد قليلاً، نصلي، نشرب شاياً قال السائق إنه سيجعله يصحو ليكمل الطريق الطويل، ثم ما نلبث أن نعود لاستكمال الطريق.

الصحراء شاسعة، زرقة البحر تظهر أحياناً من بعيد، يسمونه البحر الأحمر لكنه يبدو لي أزرق، تظهر الجبال، السيارة تسير بسرعة متوسطة مخترقة الطريق وسط الجبال، مرت بضع ساعات في هذا الطريق المتعرج، الطريق موحش طويل يتوغّل في الصحراء، لا شيء سوى الرمال، والشمس الحارقة، وأنت قابع بلا حراك في السيارة بجوار السائق الصامت البائس، يضطرب الفؤاد ويرتجف، الحياة قاسية، معقّدة، غامضة، ودروبها طويلة قاحلة كهذه الصحراء، لكن عليك مواصلة المسير، فثمّة لحظات جميلة بين رُكام الأحزان، وثمّة سعادة قد نُصادفها في المنعطفات وأحياناً على قارعة الطريق، ثمّة حب قد نعيش لحظاته، وثمّة ذكريات جميلة لابدّ أن نتشبّث بها لنعيشها مراراً وتكراراً.

الطريق يكاد يكون خالياً من السيارات، بينما الشمس من ورائك تسارع إلى الغوص وراء الشفق الذي تحوّل إلى اللون الناري، سرعان ما سيحل المساء، ظلال المساء بدأت تتسلل لتحيل السماء إلى ظلام، الظلام يكتنف الطريق المعتم، ظلال الجبال تدفع بتخيلات سوداوية.

الصحراء في الليل تتحوّل إلى قصيدة عذبة تعيدك إلى ماضٍ سحيق ربما تتوقف قليلاً لتسمع القصيدة وتتأمل المشهد العبقري، السماء الصافية الممتدّة اللانهائية التي تزينها النجوم البعيدة والسكون الذي يعمّ المكان، لا صوت لا حركة لا شيء سوى السكينة التي تسري في جسدك فتشعر بالطمأنينة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات