دانة الدنيا

كنت في دبي نهاية الأسبوع، مدينة أعشقها، كان الطقس رائعاً، يشوبه شيء من البرودة، السماء ملبدة بالغيوم، دبي مدينة لا تنفك تبهر العالم بكل جديد، تتغير كل يوم، تتجدد، تسابق نفسها، بعد أن سبقت العالم كله، عصريتها، حضارتها، أسواقها، أبراجها، شوارعها، كل شيء فيها عجيب، ما إن تدخلها حتى تمتلئ روحك بطاقة إيجابية، تشعر بها تسري في أوصالك، كقصيدة شعر مؤثرة، أو كموسيقى حالمة، تشرح الصدر وتدخل السرور والسعادة في النفس، دار بخلدي، ترى هل هذا الشعور بسبب الأجواء الرائعة أم أنه بسبب عشقي لهذه المدينة الرائعة..!

اتجهت إلى منطقة السيف المطل على الخور، حيث التمازج بين الماضي والحاضر، شكّل الخور في الماضي ميناءً طبيعياً انطلقت منه دبي، بل إنها تأسست على ضفافه، وها هو لا يزال شرياناً ينبض بالحياة، لا يزال كما هو محور التجارة منذ القدم، لا يزال يعجّ بالقوارب المبحرة ذهاباً وإياباً، وبينما أصبحت هذه الضفة مركز جذب سياحياً مفعماً بالحيوية والأجواء التراثية التي تكتنفها العصرية، ترى في الجهة الأخرى السفن الخشبية التقليدية راسية لتحميلها بالبضائع التي ستتخذ طريقها بحراً نحو إفريقيا والهند وإيران وبقاع أخرى من العالم، تماماً كما كان الحال منذ بداية القرن العشرين.

تقف قبالة الحاجز الخشبي على الرصيف البحري، تستمع إلى صوت البحر، فتشعر بأن التاريخ لا يزال يسكن مياه الخور، تلك السفن شاهدة على ذلك، وقد يتناهى إلى مسامعك بقايا صوت نهام عجوز وحيد لا يزال يشدو بأهازيج البحر العتيقة، لوهلة قد تأخذك الأهازيج إلى قصص الغواصين الكادحين الباحثين عن اللؤلؤ والدانات، وحكايات البحارة المغامرين الذين جابوا البحار شرقاً وغرباً، وقد تفيق على لسعة باردة قادمة من الخليج تشم فيها نسيم البحر المشبع برائحة الديزل المنبعث من محركات العبرات وهي تمخر مياه الخور محملة بالعابرين بين الضفتين لترسم مشهداً سريالياً قد يبدو بالأبيض والأسود سرعان ما يتلون بألوان الأضواء الإعلانية المنعكسة على صفحة المياه من واجهات المباني العصرية ليكتمل المنظر البانورامي الخلاب مازجاً الحداثة بالماضي التليد.

هذا التنوع الثقافي يجعل دبي مجتمعاً عالمي التكوين، سكانها متعايشون بانسجام، فتشعر كأنك تعيش في المستقبل، في مدينة مستقبلية، وبأنك في مدينة عالمية، خيالية، في مدينة تختزل التاريخ والجغرافيا، تختزل العالم في مدينة واحدة، لتصبح كمصباح علاء الدين، مبتغى كل الحالمين، وحلم كل الطامحين، أصبحت هدفاً بحد ذاته من أجل تحقيق الأحلام، حيث البحث عن الدانات في دانة الدنيا..!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات