حروب أهلية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا أظن أن الحرب الأهلية الأسبانية، أواخر ثلاثينات القرن الماضي، كانت حدثاً عارضاً منفصلاً عن الحرب العالمية الثانية. وأعتقد أنها كانت المقدمة الضرورية لإيقاد تلك النار الكونية، التي أطاحت بكل أحمال القرن العشرين التقليدية، ووضعت الإنسانية على مسارات صراع جديدة.

ذلك كله، يدفع المرء للتفكير بحجم الحروب الأهلية الدائرة اليوم، والتساؤل عن مؤداها النهائي، وعن طبيعة تلك الأحمال التي استدعت إيقادها.

في الواقع، يرشدنا تأمل السياسات الدولية المختلفة في التعامل مع الحروب الأهلية، إلى عدة مقاربات رئيسية، تقترب وتبتعد بنا عن نقطة مركزية، هي حرب كونية محتملة.

في المقاربة الأولى، ثمة تطيّر من أن تؤدي الحروب الأهلية إلى حرب أكبر، كونية أو إقليمية على أدنى تقدير؛ وهنا جهد في محاصرة النار المحلية في بلدانها، إن لم يمكن إطفاء نارها.

وفي الثانية، هناك رهانات حول قدرة تلقائية لهذه الحروب بإحداث تغييرات جوهرية في الواقع الجيوسياسي، بهذا الاتجاه أو ذاك، مقرونة بطمأنينة يصعب الثقة بها، أن هذه ستبقى حروباً «محدودة»، مهما كانت طاحنة، وبرغم كلفتها «الأهلية» الباهظة.

وفق المقاربة الأولى، فإن ما يجري في كثير من البلدان اليوم هو مجرد حدث محلي، ينطلق من مفاعيل داخلية محض. ووفق الثانية، فإن ما يجري هو صراع دولي، يستخدم ميداناً ومكونات محلية.

من الملاحظ، أن الخيارات السياسية المدنية المحلية تغيب، في هذه السياقات، رغم أن الصراع يعبر عن نفسه في كل المنعطفات بأفكار سياسية ومدنية. ولكن، بالمقابل، هذه النوعية من الحروب، التي تُخلِص بطبيعتها للنزعة العنفية، تفشل في الوصول إلى مسارات عقلانية، وتبقى أسيرة الدم.

يمكن أن نلاحظ، كذلك، أن هذا النوع من الصراعات ينتج أوهاماً داخلية، محلية، كبيرة حول إمكانية «الحسم المسلح»، ويصعب بالمقابل أن تنتج ولو هامشاً بسيطاً من خيارات الحل السياسي، الذي يأتي في الغالب محمولاً على إرادة دولية.

بالطبع، إن الأطراف التي لا تحمل رؤية لحل سياسي واقعي مقبول، أو تعجز عن التعاطي مع مثل هذا الحل، ستكون حتماً أطراف دموية، لا يمكن أن ينتهي الصراع دون إلغائها، هي نفسها.

 

طباعة Email