المصالحة وآمالها

حتى لا تكون المصالحة الفلسطينية التقاء سائلين مختلفين في الكثافة، و«بينهما برزخ لا يبغيان»، يجب أن تكون متصّلة في أسسها وقواعدها، حتى وإن تباعدت في ذُراها. هذا معناه بلغة السياسة، الوحدة مع الاختلاف، حتى لا نقولها بلغة الفلسفة «وحدة وصراع الأضداد»، فتنزع المقولة من سياقها الفلسفي، وتُفهم خطأ لدى بعض الناس البسطاء.

قد تكون دوافع وخلفيات المصالحة المفاجئة بين حركتي فتح، وحماس، متشابهة من حيث الظروف، والطرق المسدودة، والصنابير المقفلة، لكن هذا لا يهم كثيراً، أو أن مفعوله سيبقى ـ بلغة أدق ـ محكوماً مع وقف التنفيذ، في انتظار تكريس ما سيأتي على حساب ما مضى، وما سيبنى على أنقاض ما هدم، وما سيصعد بديلاً لما تهاوى. هذا كلّه يحتاج قبل كل شيء إلى إرادة صلبة، وقرار حر، واعتبارات بريئة من كل ما هو غريب ودخيل على جوهر القضية، ومسار المشروع الوطني الفلسطيني، كونه ضلعاً يكمل الضلعين القومي، والأممي لمثلث القضية.

كثيرون كانوا يترقبون ولادة حكومة التوافق، مع أنها الخطوة الأسهل في الطريق واللبنة الأقرب لأرض البناء. مع هذا فهي خطوة جيدة، على أن يتلاشى الارتباك المتبخّر من حولها، وأن يعلن أصحاب القرار، وأولو أمر المصالحة بوضوح ما هي مهماتها وصلاحياتها، وقبل كل ذلك ماهيّتها هي ذاتها.

قيل بداية، إن هدفها هو التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية، وليس لها دور سياسي، ولتفادي ضغوط الغرب وتهديدات إسرائيل، قيل، إنها تلتزم برنامج الرئيس والاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل. هذا يعيدنا إلى نقطة الانطلاق، فالمضمون السياسي سواء التصق بالحكومة ،أو أحاط بها، أو أفرغت منه، سيقولب التوقّعات والآمال.

سيجد الطرفان نفسيهما بعد حين أمام الاستحقاق السياسي، ذلك أن الطبيعة لا تعرف الفراغ، كما أن المراوحة في المكان لا تدوم، فضلاً عن أنها من الناحية العملية تعني التراجع، طالما أن الحركة مطلقة.

بناء على التجربة المحيطة بهذا المشهد كلّه، من المنطقي الافتراض أن واشنطن، صاحبة الملكية الحصرية لرعاية عملية التسوية، ستوفد بعد حين مبعوثاً إلى المنطقة لاستئناف «عملية السلام»، وهي أصلاً كانت أشبه بعجلات تدور، والمركبة مرفوعة، حيث إن القضايا الجوهرية خارج الحسابات. سيكون من المنطقي أيضاً التساؤل عن موقف حركة حماس من استئناف عملية التسوية، وفق أسس معروفة ومن المستحيل أن تتحسّن، إن لم تصبح أسوأ.

لهذا يجب ألا يكون الأساس السياسي غامضاً حتى لا يكون التفجير مؤجّلاً، ولأن خلافاً على وضوح خير من اتفاق على غموض.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات