العرب وأوكرانيا وعالم يتغير

مشكلة كبيرة يعانيها العرب بشكل عام، وهي عدم الاهتمام بالأحداث الدولية الواقعة خارج بلادهم، وعدم استيعابهم للمتغيرات، التي تحدث على الساحة الدولية في موازين القوى العالمية، وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى عدم استيعابهم لمشكلاتهم وقضاياهم الداخلية، التي ترتبط دائماً بعوامل وتداخلات خارجية.

ما أدهشني في تعامل العرب مع الأزمة المتصاعدة في أوكرانيا، أنهم يتابعونها وكأنها مباراة في المصارعة الحرة بين مصارعين عمالقة، وكعادتهم ينقسم العرب في تشجيع أحد الطرفين، حيث نلاحظ في مصر تأييداً كبيراً للموقف الروسي، وذلك كرهاً لأميركا التي أيدت الإخوان المسلمين، وحبا في بوتين وروسيا، التي دعمت الثورة والسيسي..

وينعكس هذا بوضوح على وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي تظهر الرئيس بوتين بمظهر البطل القوي، الذي لا يُقهر، أما في سوريا فالأمر على العكس، حيث نلاحظ أن السوريين المناهضين والمعارضين لحكم بشار الأسد، يصورون بوتين بمظهر الخاسر المهزوم، الذي انتزع منه الغرب أوكرانيا، ويصورونه بمظهر الخائف والمرعوب، وأكثر من ذلك نلاحظ أنهم يتمنون لروسيا الهزيمة، وينادون أوباما بأن يضع حداً لغطرسة بوتين وغروره، وذلك تأثراً من موقف روسيا في الأزمة السورية.

كلا الطرفين في الحقيقة لا يستوعبان جوهر الأزمة في أوكرانيا، وتداعياتها، هذه الأزمة التي تعكس بوضوح التغييرات التي تحدث الآن في موازين القوى الدولية، ولو تابع العرب الأزمة الأوكرانية باهتمام وموضوعية أكبر، فسيكتشفون نقاط الضعف الأساسية فيهم، ومن أهمها اعتقاد الأغلبية منهم حتى الآن، بأن أوراق اللعب ما زالت في يد أميركا، الأمر الذي يدفعهم دائماً، أنظمة ونخباً سياسية وحتى شعوباً، للهرولة نحوها، وطلب مساعدتها.

الأزمة في أوكرانيا هي درس عالمي، يثبت للعرب وللجميع أن نظام القطب الأوحد الأميركي على وشك الرحيل، وأن الزعامة الغربية للعالم تراجعت لحد كبير، حيث تقف روسيا، وحدها تتحدى الجميع، الأوروبيين والولايات المتحدة وحلف الناتو، وتدخل بقوتها العسكرية في شبه جزيرة القرم، التي هي في الواقع أرض روسية، وتتحدى بأنها ستعيد الشرعية في أوكرانيا، وستسقط الانقلابيين، الذين وصفتهم بالإرهابيين، الذين يعتبرهم الغرب وواشنطن ثواراً ومناضلين، من أجل الحرية والديمقراطية المزعومة.

كل هذا والغرب وواشنطن لا يملكون سوى تصريحات وتهديدات فارغة، لا تجدي مع روسيا التي تعلم جيداً حجم وقدرات وإمكانات الغرب وواشنطن الآن، وتعلم أيضاً أن الأوروبيين لن يؤيدوا واشنطن ضد روسيا، التي تملك على الغرب أكثر مما يملك الغرب عليها.

الدرس الذي يجب أن يستوعبه العرب من الأزمة الأوكرانية، هو أن العالم تغير وأن أميركا لم تعد القوة العظمى صاحبة النفوذ والهيمنة، ولم تعد قادرة على فرض إرادتها ولا إدارة اللعبة الدولية، وأن العالم في اتجاه تعددية قطبية، ستضع قريباً حداً للعربدة، والفوضى الأميركية غير الخلاقة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات