سينما لحياة إضافية

حين كانت الرواية والقصيدة والرسم والموسيقى سبلاً إلى التعبير عن شؤون الحياة وشجونها، لم تكن السينما قد ولدت بعد، كان ينقص العيش هذه الفكرة الجديدة، التي انبثقت قبل وقت ليس ببعيدٍ من التاريخ، ولعل المئة عام ونيف هي مجرد نقطة غير مرئية منه بالطبع.

جاءت السينما نافذة أخرى للحياة، والأرجح، أنها الحياة الطويلة المختزلة المنقّاة من التفاصيل الطويلة، لتنقل حالات الإنسان، بفرحه وحزنه، حلمه ووهمه، انتصاره وهزيمته، تألقه وخفوته، زهوه وانكساره، ضغينته وهواه، حياته وموته.

في مهرجانها العاشر، هذا الخريف، احتفلت دبي بالسينما العربية، كما استقطبت نخبة من أفلام القارات الخمس، وبينها ما تسنى لي ولغيري مشاهدتها، علقت في المخيلة، ولا تزال تترك تأثيراتها المدوّية.

من بين تلك الأفلام: "عمر" حكاية الحب والمقاومة في فلسطين، و"فتاة المصنع" العاشقة ورقصتها المنتصرة في إحدى عشوائيات القاهرة، و" سلم إلى دمشق"، حيث انتهاك عزلة البشر في حي دمشقي، وسط تفاقم الأحداث في سوريا، و"مانديلا" درب الحرية الطويل" المقاربة الاستثنائية لسيرة نيلسون مانديلا، المناضل والزعيم التاريخي، الذي رحل قبل أيام، و"إنقاذ السيد بانكس"، السيرة الذاتية الدرامية عن مساعي ديزني لتلبية رغبة بناته بتحويل كتابهن المفضل "ماري هوبنز" إلى فيلم، ومعاندة كاتبته بي.إ ل ترافرز، التي لا تريد للماكينة الهوليوودية أن تطحن ساحرتها الأثيرة، و"محطة فروتفيل"، الذي يروي قصة أوسكار غرانت الحقيقية، الذي أردته رصاصة شرطي في ليلة رأس السنة، وهز مقتله المجتمع الأميركي.. وأخيراً وليس آخراً، "عبد لاثنتي عشرة سنة"، الفيلم الذي يستند إلى حقيقة مذهلة متمثلة في صراع رجل أسود من أجل البقاء والحرية.

أن تصنع بشراً من لحم ودم، تلك هي عبقرية السينما، التي تشبه كتابة قصيدة في مكان معتم، والعتمة طبعاً، هي أساس السينما ومتعتها، تنظر إليها بعينيك، كأنك وحيد تراقب دوران الشريط، ساعة، ساعتين أو ثلاثاً.. ينتهي الفيلم، وتضاء الصالة، لكن الحكاية تستمر في مخيلة المشاهد، وحيوات من كانوا أبطالها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات