صُوَر من الطفولة

الصعتر البرّي

منذ اكتشاف الطعم الأول، وحتى هذا الزمان، كبرت شعوب عديدة، وكبرنا أيضاً، بينما الصعتر البري لما يزل طفلاً.. ذلك النبات البرّي الذي انبثقت فيه الحياة لحظة التكوين، هو الأحب إليّ، مذ كانت أمي تحضّر لي من خيره بعض "العرائس".. إنه الوجبة الصباحية الأثيرة، التي كانوا يقولون لنا إنها «تفتح عقول التلامذة».. ولم يكونوا كاذبين.

 لا يشيخ الصعتر البري، بل يزهو بذاته المتجددة كل عام، بعد زمن المطر، ويقدم قرابينه الخضراء للمحبّين.. ثم يمضي إلى صيفه، ويتهيّأ برحابته المدهشة للانسحاق، أمام عيون الصغار، قبل أن تفتح دفّات الكتب والدفاتر، ويعود من جديد إلى طفولته الأولى.

أقحوانة العشق

وحدها الأقحوانة تنبّهت لحالي.. قطفتها عن غصنها وكانت مبتسمة، وقد أفردت بتلاتها الصفراء، ولم تأبه للنحلة التي كانت ترنو إلى رحيقها.. هزئت منها قائلة: فتشي عن زهرة أخرى.. وراحت تتمايل في يدي، وأنا أحاول كشف سري في بتلاتها التي ستتطاير بعد حين.. ثم بدأت أنتفها كما ينتف نسر جائع طائراً: تحبني، لا تحبني.. تحبني، لا تحبني... وكانت البتلة الأخيرة تحبني.. ابتسمت في سري، وعدت إلى قلقي من جديد، ثم رحت أبحث عن زهرة أخرى.

أحصي النجومَ

كانت المرة الأولى التي أصحو فيها وأنا في البرية.. فتحت عينيّ، في ذلك الكرم البعيد، وكانت العائلة تنصب خيمتها في موسم التين والعنب. كان الليل بدراً مكتملاً.. لم أصغ إلى نصيحة الجدة بأن من ينظر إلى النجوم، ويقوم بإحصائها، تنتشر الثآليل في يديه.. رحت أعدّ النجوم، وفجأة سقطت نجمة في يدي، كانت لا تزال حامية.

هرعت إلى البئر القريبة وألقيتها في جوفها.. وفي اليوم التالي، لم أجد ثآليل على يديّ، بل جئت بالنجمة التي أتتني من السماء، وأهديتها إلى جدتي التي أشاعت الخبر في القرية، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يخشى النظر إلى النجوم وإحصاءها.

سنونو

ما باله طائر السنونو، ينأى عن الأشجار، ويعشق المنازل القديمة، ويبني أعشاشه من وحل وقش، ويلصقها في السقوف.

حائر هذا السنونو دائماً في طيرانه، بحثاً عن غذاء صغاره، والتحليق في كل اتجاه، لسان حاله.. ذلك المهاجر سربه ثمانون طيراً، يحب ربيع المتوسط، وهو في التكاثر أوروبي الهوى.. السنونو ليس كسائر الطيور.. إنه عاشق حنون، لذا نراه ينتحب ألماً، إذا فقد أنثاه، فهو يطير دائماً معها، و لا شيء يفرقه عنها، إلا الموت المتوثّب دوماً في الأيام.

تعليقات

تعليقات