ما بين الصقيع والظلام

ت + ت - الحجم الطبيعي

الولايات المتحدة لا تستورد من روسيا بضائع ومنتجات تعتبر من أساسيات الحياة، لا غاز ولا نفط ولا قمح، فهي مكتفية بإنتاجها المحلي وبعقودها طويلة الأجل مع جيرانها أو الدول الأخرى المنتجة، فإذا اشتعلت حرب في شرق أوروبا أو الشرق الأوسط أو أفريقيا أو شرق آسيا ووسطها ومحيطاتها لن تنطفئ الكهرباء في نيويورك ولوس انجليس، ولن تبيت أسرة أمريكية دون تدفئة في بيتها، ولن تتعطل وسائل النقل عن الحركة لنقص في البترول!

أما أوروبا فهي بحاجة إلى الآخرين، إنها فقيرة من حيث المواد الخام، أغلب خامات الصناعة، والإنتاج مستوردة، وأيضاً الكثير من المواد الغذائية، وعصب الحياة الذي لا يمكن الاستغناء عنه يأتي من الخارج، عبر أنابيب روسية أو أوكرانية يصل الغاز، والنفط تنقله سفن تعبر المحيطات والبحار، والنقص، أياً كانت كميته يؤثر مباشرة على اقتصادها ومعيشة سكانها، وإذا توقفت المصانع تعطل الإنتاج، وسرح آلاف العمال، وارتفعت مقاييس البطالة، وتعرضت مؤسسات الرعاية الاجتماعية إلى ضغوط لم تألفها، وهي في النهاية لديها اعتمادات محدودة!

وعندما يطلب قادة الدول الأوروبية من الناس أن يضحوا في الفترة القادمة، وضمنها فصل الشتاء، ويطبقوا معايير التقشف في التدفئة واستهلاك الكهرباء والغاز لينجحوا حرب العقوبات ضد روسيا، عندها لا بد أن يتساءل الأوروبيون، فالأموال تضخ نحو أوكرانيا التي يراد لحربها مع روسيا أن تكون طويلة الأمد، وبرد الشتاء الذي لا يرحم سينخر في عظام الناس الذين لم تستشرهم الديمقراطيات القائمة على شؤونهم، فالمشكلة الأوكرانية صنعت في الغرب وليس في الشرق، وروسيا استفزت حتى استدرجت إلى ما يعتقد بأنه كمين يستهدف استنزافها على المدى البعيد، وحتى يحين ذلك المدى غير المرئي أو المحسوس ستعيش أوروبا ما بين الظلام والصقيع!

... ومازلنا في أوروبا.

طباعة Email