عقول مريضة

شريعة الغاب لا يمكن أن تعود لتحكم العلاقات البشرية، رغم أنها لا تزال متواجدة في أذهان من تربوا عليها، أصحاب «ياقات حمراء» وربطات عنق، وأطقم بدل من «أرماني»، و«لوي فينون»، وأصحاب «عمائم» و«لحى» ممرغة في التراب، لتضفي مشهداً مرعباً يخيف الناس منها، وأصحاب «قبعات» و«جبب سوداء»، وحملة الرماح في مجاهل غابات لم تصلها الحضارة، كلهم ما زالوا يعتقدون أن القتل بالطائرات والصواريخ والبنادق والمتفجرات المزروعة في الأسواق والطرقات والغزو والاحتلال، والذبح أمام الكاميرات سيحقق لهم السيادة على أرض أو شعب.

ما زال بين البشر فئات لا تؤمن بحق غيرهم في الحياة الآمنة والهادئة، أخذوا من أديانهم ومذاهبهم والعقائد، التي يؤمنون بها تفسيرات المتشددين، وسعوا عندما توافرت لديهم القوة، وواتتهم الفرصة إلى تحكيم تلك الشريعة، شريعة الغاب، عادوا إلى الوراء، إلى ما قبل قرون الظلام الأوروبية، والنهضة التي تلتها فأنتجت الإمبريالية الاستعمارية، التي طالت في القرنين التاسع عشر والعشرين كل العالم تقريباً، ولم يردعهم العلم، ولم يوقفهم التحضر، وانغمست اختراعاتهم في الدم، صاروخ يذهب إلى الفضاء، وصاروخ يهدم المباني على رؤوس الأبرياء، وطائرات تجمع البشر في عالم صغير، وتربطهم ببعضهم البعض، وطائرات تتسلل في ظلام الليل، لتدفن أطفالاً ونساء تحت الأنقاض، ورصاصة تقتل أسداً، وعشر رصاصات تقتل بشراً، والعالم يقاوم، فأهل الخير هم الأكثرية، لم يخلُ العالم منهم، يحاولون جمع شتات البشر، وتغيير مفاهيم المتطرفين والمتشددين، الذين لا يزالون يعتقدون أن القوة والبطش هما السبيل لحياة مرفهة لهم ولأبنائهم، هذا يسرق أرضاً، وذاك يسرق ذهباً، وثالث يسرق نفطاً، ورابع يسرق الماء.

عقول مريضة ما زالت تصعد وتجلس على القمم، قمم دول أو جبال من الجماجم والجثث، معتقدة أن شريعة الغاب يمكن أن تسود في القرن الحادي والعشرين.

طباعة Email
#