على خطاهم نسير

المبادرون هم من ارتقوا بالبشرية، نقلوها من حال إلى حال وعلى مدى حقب تاريخية تباعدت حيناً وتقاربت أحياناً كثيرة، فالإنسان بدأ كائناً مثله مثل كل الكائنات، يعيش في كهوف الجبال وشقوق الوديان، وفي الصحاري، وعند ينابيع الماء وسواحل البحار، عارياً يصطاد الطرائد وتصطاده، ناطقاً لكنه يتحدث بالإشارة، يعيش حياة القطيع فيقتُل ويُقتل في دفاعه عن قطيعه أو عدوانه على قطعان أخرى، ومع كل ذلك بدأ يفكر في كل شيء يصادفه، بنى الخيمة من صوف الحيوانات وجلودها، وصنع السهام وأمن غذاءه ومؤنة بيته، وأشعل ناراً، وشوى اللحم الذي كان يأكله نيئاً، واصطاد السمك وجففه، وجرب النباتات وما تطرح من ثمار، قتلته السامة منها، وصلبت عوده من كانت غذاء مفيداً، فتعلم الزراعة، واكتشف من بين الأعشاب الأدوية، وتعلم صنع الخيوط فستر نفسه، وبدأ يسمي الأشياء بأسماء تميزها، وصارت في كل مجموعة متقاربة لغة، ونبغ أفراد من بين المجموع، شغلوا فكرهم، وجربوا ففشلوا، ثم جربوا ثانية وثالثة وعاشرة، حتى نجحوا، وخرج الإنسان من حياة بدائية مع الضواري والوحوش، إلى حياة مدنية متحضرة، وبرزت المجتمعات، وتشكلت الفئات وسطها.

واستمر أصحاب الفكر يفكرون، وأصحاب المبادرة يبادرون، وأصحاب العمل يعملون، وفي كل زمان يرتقي الإنسان فيصعد درجة أو اثنتين حتى بلغنا ما بلغناه اليوم، نذهب إلى القمر أو المريخ متى شئنا، ونعبر البحار والمحيطات في بضع ساعات ونخاطب من يبعد عنا مسيرة عام بضغطة زر هاتف نتلاعب به، ونركب وسائل تنقلنا من مدينة إلى أخرى وهي تنطلق فوق طرق ممهدة، ونشاهد التاريخ والفن والثقافة وما يرفه عنا، ونحن ممددون على الكراسي المريحة.

المبادرون هم الذين يسعون ولا يتكلون على غيرهم، ينظرون إلى احتياجاتهم وما تتطلبه الحياة الكريمة في مجتمعاتهم، يمدون أبصارهم إلى الآتي من الأيام ويتجاوزون الماضي، يعيشون للمستقبل، وينجزون الأفضل، ولا يتطلعون إلى غيرهم، لا ينتظرونهم، لأنهم دوماً سباقون.

هنا، على هذه الأرض، ترتقي البشرية، فكم هي كثيرة طموحات رجالها، وكم هي كبيرة مبادرتهم.

طباعة Email