دارت بنا الدنيا

من يتابع الأخبار هذه يصاب بالدوار، خبر يناقض خبراً، وخبر ينسف خبراً، والكل يبتسم وكأن شيئاً لم يحدث.

أما الإشاعات فهي شيء آخر، هي الاختراع الجديد لجهات كانت تتعب حتى تسرب معلومة وتنشرها بين الناس، واليوم أصبحت المهمة سهلة وبسيطة ولا تحتاج إلى خبراء وفلاسفة ومنظرين، فقط جاهل يجلس وبيده جهاز هاتف قادر على هز العالم وإثارة الآلاف من الناس، أو تسرب صحيفة خبراً عن شيء ما، أي شيء، فإذا بالسادة الذين لا يعرفون ماذا يقدمون في الوقت المخصص لبرامجهم الحوارية بمحطات التلفزيون يتلقفون ذلك الخبر، ويستضيفون أساتذة جامعات ورؤساء مراكز استراتيجية، وهذا يجمع وذاك يطرح، وتتشابك الأمور، وتتوه الحقائق، ولا أحد يعرف ما الذي يحدث.

قبل أيام «دسّت» إحدى صحف أميركا خبراً عن سحْب الولايات المتحدة الأميركية منظومة صواريخ باتريوت من ثلاث دول عربية، هي الكويت والبحرين والأردن، وقامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن، كمّ هائل من التحليلات والتفسيرات والتوقعات، واختراق مجهري لخلايا «دماغ» الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحثاً عن الأسباب، ومحاولات لتركيب كلمة من هنا وإشارة من هناك، وغوص عميق في نيات كل من لم يتكلم أو يصرح، والنتيجة حسب الانتماء السياسي والحزبي والمذهبي والعقائدي والمالي والضميري لكل شخص، فهناك من تباكى على أمن وسلامة الخليج، وهناك من صبّ اللعنات على أسلوب «المسكين» ترامب الذي يريد أن يبتزنا كما يقول.

وهناك آخرون قالوا إن أميركا تريد تشجيع إيران على التحرش بالدول العربية، وغيرهم كثيرون أدلوا بدلوهم، وساقوا أدلة فصّلوها لهذه المناسبة، وخلطوا كل شيء مع كل شيء، وكأنهم أولئك الذين يقدمون برامج الطبخ هذه الأيام في الفضائيات، حلو على مالح على حامض، وبهار من الشرق وآخر من الغرب، وثالث من بلاد الهند والسند.

الرئيس الأميركي وأعضاء فريقه لم يلتفتوا لأحد، صمتوا وكأن الأمر لا يعنيهم، واكتفوا بذلك الخطاب الترامبي الموجه نحو إيران من منبر الأمم المتحدة، ومن لم يكفِه ذلك ترك ليكمل اللعب في وسائل التواصل والاتصال والحوار والنقاش و«الهلوسة»، وترك الناس يتعاطون حبوب الضغط ونقص الفهم وتبعات الدوار الذي يلف الدنيا بهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات