لهذا تصدّع السد

الخوف من المستقبل هو الذي تسبب في أزمة تركيا الاقتصادية، فالضبابية تغطي الحاضر التركي نتيجة تصرفات حزب العدالة والتنمية الذي يقوده رجب طيب أردوغان، ورأس المال لا يتبع العواطف أو التمثيليات الدعائية المصطنعة، فهناك اعتبارات يعتمد عليها، ومؤشرات يتبعها، وهي التي تحدد حجم الثقة بالاقتصاد في أي بلد.

لم تستهدف الليرة بحد ذاتها، ولكن أحداثاً مرت على تركيا هي التي خسفت الأرض بها، أي بالليرة، أولها انقلاب 2016 وما تلاه، وثانيها إصرار أردوغان على إقصاء خصومه السياسيين، ومحاربة رجال الأعمال غير المنتمين إلى حزبه، والتعديلات الدستورية التي وضعت كل السلطات في يد الرئيس، وعندما يكون الموظف التركي غير آمن على وظيفته، ويمكن أن تنهى خدماته في أية لحظة، بتهمة مباشرة أو غير مباشرة، مثل هذا الموظف لن يصرف ما عنده، وسيبحث عن الدولار، لأنه قد يكون مطارداً في أية لحظة بحجة تأييده لخصم أردوغان اللدود فتح الله غولن، ذلك الذي استخدم «شماعة» لإعادة ترتيب الداخل التركي، إضافة إلى الانقلاب، فكل عسكري، ومدني لا يتبع حزب العدالة والتنمية طرد بناء على تلك الذريعة، وهؤلاء ليسوا قلة، بل هم الأكثرية.

فتركيا ليست حزباً وليست إخوانية الانتماء، وقد تجاوز عدد الذين فقدوا وظائفهم الربع مليون، ومن بقي لا يعرف متى يحين دوره، فالمراسيم والقرارات ما زالت تصدر، وآخرها كان يوم الأول من أمس.

عملات كثيرة خسرت مقابل عملات صعبة، وفي عدة دول، ولم نسمع قادة تلك الدول يتحدثون عن مؤامرة، ولكنهم يرجعون ما يحدث إلى أسبابه الطبيعية، خاصة بعد حرب الضرائب بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، فقط أردوغان يريد أن يوهم أتباع التنظيم الذي ينتمي إليه بأنه محارب، ظناً منه أنه يحفزهم بالصراخ، ولا يترك مناسبة تمر دون أن يلقي خطاباً حول الذين يستهدفونه، وهنا تكمن مشكلة «صاحب السد المنيع»، لقد صدّق أنه «السلطان الطيب» كما قال القرضاوي وغيره من «أبواق» الإخوان، هم نفخوا وهو تضخم، فإذا بالحقيقة تصدمه، وتظهر كم هو هش اقتصاده، وكم هي مشتتة الأفكار القائمة على الأحلام والأوهام؛ فالواقع لا يعترف بها، والمظلومية لا تبني دولاً، والإقصاء لا يولِّد ثقة، والاحتكار يخلق بيئة طاردة للاستثمار.

تعليقات

تعليقات