سلام ناقص

ساد التفاؤل العالم كله بعد لقاء الرئيس الأميركي والرئيس الكوري الشمالي، فهذه أزمة عالمية لها سبعة عقود تكاد تنتهي، ويكاد كيم جونغ أون أن يتحول من أحد قادة الشر في العالم إلى صانع سلام.

لقد كسبت البشرية من قمة سنغافورة، فقد كان الكل خائفاً قبل فترة وجيزة من اشتعال حرب في الشرق الأقصى، وكان سلاح كيم جونغ النووي وصواريخه العابرة تمثل رعباً، فالنار لن تنحصر في شبه الجزيرة الكورية، ولن تنتشر في محيطها، بل ستطال الجميع، وقيل كثيراً عن تهوّر ترامب وجهل كيم، ولكنهما أثبتا أنهما أكثر عقلانية من الكثيرين، خاصة أولئك الذين حاولوا من قبل أن يتقدموا خطوة واحدة في الأزمة الكورية ولم ينجحوا.

عرف ترامب أن السلاح النووي الكوري الشمالي قد يدمر الحضارة الغربية، وعرف كيم أن بلاده قد تمسح من على وجه الأرض، واتفقا قبل أن يتواصلا على أن التهدئة والجنوح إلى السلم أفضل من المواقف البطولية الخاوية، وهيأ كل واحد منهما نفسه إلى القبول بالتنازلات لصالح أمن وأمان بلادهما، وهذا ما شاهدناه عندما التقيا في الثاني عشر من هذا الشهر، كان الاثنان يتصرفان بعفوية، ليس بينهما كبير أو صغير، وكأنهما نزعا أقنعة العداء دفعة واحدة ولبسا وجوهاً بشوشة.

بعد الوثيقة المبدئية التي وقّعت بين ترامب وكيم ستكون هناك خطوات عملية، ونتوقع أن تحدث سريعاً، وتطوى بعدها وللأبد أزمة استمرت دهراً، وسيتنفس العالم الصعداء لخروج تلك المنطقة المطلة على المحيط الهادئ من خطر الحرب، وستبقى لدينا مشكلتان عالقتان، هما مشكلتا إيران وإسرائيل، فالعالم بحاجة إلى حلهما حتى يسود السلام وتنتهي مرحلة تناحر البشرية لأسباب أيديولوجية أو دينية أو مذهبية، فإيران عادت لتهدد بإنتاج سلاح نووي بعد إلغاء ترامب للاتفاق المبرم معها، وهو اتفاق منحها من خلاله أوباما حق التحرك والتدخل ضد دول الجوار، وإشعال حروب بالوكالة من خلال أتباعها في مناطق عدة، أما إسرائيل فإنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك سلاحاً نووياً، وتلوّح باستخدامه، رغم تفوقها العسكري ومساندة الدول الغربية الكبرى لها، وترفض سلاماً يمنح الفلسطينيين بعض حقوقهم المسلوبة، وتحاول عبر تدخلات مكشوفة أن تخطط المنطقة المحيطة بها من جديد، وللأسف منحها ترامب دفعة كبيرة للاستمرار في تعنتها وظلمها بعد اعترافه بالقدس عاصمة لها، وهذا لا يخدم سلاماً عالمياً، والشرق الأوسط هو قلب العالم، فإذا اضطرب القلب سادت الفوضى، فمع نفاق أوروبا ستهدد إيران جيرانها، ومع خضوع ترامب ستتوحش إسرائيل أكثر.

تعليقات

تعليقات