مناطحة الأقوياء

كثيرون قد يرون أن ردة الفعل البريطانية على محاولة قتل الجاسوس الروسي المزدوج بسم الأعصاب مبالغ فيها، وسيقولون، وماذا يعني أن يقتل شخص خان بلاده وباع أسرارها؟، إنه شخص بلا قيمة، ولا يشكل موته خسارة لأحد، فهو متقاعد منذ سنوات طويلة، وكان يعيش على هامش الحياة، وفي العالم مآسٍ يقتل فيها الأطفال والنساء العزل، ولا تثور ثائرة أحد، وتختفي الغيرة الإنسانية، وتكتفي تيريزا ماي، إذا غضبت، ببيان إدانة، ويستشهد هؤلاء بما يحدث في سوريا من قبل روسيا، فهي مسؤولة عن قتل الآلاف تحت وابل صواريخها ومدفعيتها.

قد يكون ذلك الكلام صحيحاً في الكثير من جوانبه، فالروس قد تمادوا في الكثير من بقاع الأرض، وتسببوا في جرائم ضد الإنسانية، وكانت أقصى عقوباتهم، الذهاب إلى مجلس الأمن، وتقديم مشروع قرار بالإدانة، ويستخدم المندوب الروسي حق «الفيتو»، فيسقط القرار، ولكن جانباً واحداً لم ينتبه إليه أولئك المتحمسون، وهو الجانب المتصل بالكرامة الوطنية، فالجريمة التي تعرض لها الجاسوس السابق، سيرجي سكريبال، وقعت على الأراضي البريطانية، وفي مكان عام في وضح النهار، وبواسطة غاز أعصاب، اشتهرت روسيا بتصنيعه واستخدامه، وهذه كلها معطيات تحمل في طياتها مؤشرات، تتجاوز الشخص المستهدف، والغرض من موته، إنها رسائل من نظام أراد أن يستعيد بريقاً زال منذ مطلع التسعينيات، ولم يقدر من أراد إيصال تلك الرسائل، تجاوزها للخطوط الحمراء المرسومة بين كبار العالم، والتي قد تسمح للآخرين باللعب في المناطق الهشة، مثل أوكرانيا وسوريا، ولكنها ممنوعة من المساس مباشرة بأراضيها.

الكرامة الوطنية، هي التي حركت تيريزا ماي، وقرارتها المتخذة حتى الآن، ليست ردة فعل، بل إجراء وقائي وتحذير رسمي، أرادت من خلالها أن تحمي مجتمعها، وأن تصون سيادة بلادها، فمن تجرأ اليوم على تسميم شخص تحصنه اتفاقات رسمية مع روسيا، ومن هرب غازاً محظوراً، وارتكب جرماً فاضحاً، مثل هذا، إن سكت عنه، تمادى وارتكب مستقبلاً أفعالاً أكثر بشاعة وأشد تأثيراً، فاتخذت تلك القرارات، لتردع من غرته انتصاراته ضد الضعفاء، فذهب ليناطح الأقوياء.

تعليقات

تعليقات