الظاهر بأمر الله.. الخليفة العادل في تسعة أشهر 1-2

تاريخ الخلافة العباسية من أعجب تواريخ الدنيا وأغربها ولم يتهيأ لها منْ مؤرخي هذا العصر من ينفض عن تاريخها غبار السنين ويظهر لنا كنوزها ويعيد دراستها من جديد على الأسس التاريخية الحديثة كمثل مؤرخي بريطانيا وأميركا اللهم إلا محاولات قليلة جادة ومهمة ولكنها لا تفي بالغرض وكم أتمنى أن يقوم المؤرخون في العراق ومصر والجزيرة العربية وإيران وتركيا ودول المغرب العربي وبعض الدول الإسلامية بالاشتراك في تبني موسوعة عباسية شاملة حتى نظهر للعالم حضارتنا الصحيحة التي أدت إلى قيام حضارات العالم الحديث بعد أن استفادت من علومها وأبحاثها.

والخلافة العباسية شملت أهم مناطق الدنيا في تلك الأزمان واستمرت متواصلة منذ سنة 132هـ وحتى زوالها في سنة 923هـ أي 788 سنة إذا استثنينا ثلاث سنواتٍ ونصف انقرضت فيها الخلافة من بغداد بعد مقتل الخليفة المستعصم بالله سنة 656هـ على يد السفاح هولاكو ثم ظهرت بعد ذلك في مصر.

الظاهر بأمر الله

هو أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله العباسي الخليفة السابع والثلاثون، حياته عجيبة وخلافته أعجب لم يأت قبله مثله إلا عمر بن عبدالعزيز الأموي رحمه الله ولهذا يشبّه به بل عندما يذكره المؤرخون يقولون: "أعاد سنة العُمَرين" لعدله وصلاحه وقيامه بالإصلاحات العظيمة في أشهر معدودة كفعل الخليفة عمر بن عبدالعزيز قبله بقرون.

ولد سنة 571هـ وكان أبيض جميلا مشربا وجهه بحمرة قوي البنية حسن الأخلاق نشأ على مكارم الأمور وكان عكس والده الذي لم يكن محمود السيرة، وبويع بولاية العهد في سنة 585هـ ثم رأى والده أن يستبعده لميله إلى ابنه الصغير"علي" ولمّا توفي المذكور سنة 612هـ أعاد ولاية العهد إلى الظاهر ولكن مُنع من التصرف في شيء.

البيعة يوم عيد الفطر

في آخر ليلةٍ من شهر رمضان من سنة 622هـ توفي الناصر لدين الله وتولى الخلافة من بعده الظاهر بأمر الله فبايعه أهله وخاصته ثم جلس لأخذ البيعة أول يوم عيد الفطر، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: بُويع يوم عيد الفطر البيعة العامّة، وجلس بثياب بيض، وعليه الطّرحة وعلى كتفه بردة النّبي صلى الله عليه وسلم في شبّاك القبّة التي بالتاج، فكان الوزير قائماً بين يدي الشّباك على منبر، وأستاذ الدار دونه بمرقاة، وهو الذي يأخذ البيعة على الناس، ولفظ المبايعة: أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمّداً الظّاهر بأمر الله على كتاب الله، وسنّة نبيّه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه.

أهم أعماله

قام هذا الخليفة العادل بأعمال جليلةٍ وسار في الناس بسيرةٍ عُمرية فأزال المظالم التي أوقعها والده على الناس ونشر العدل بينهم وخفّف عليهم حياتهم وتتبع أمور شعبه حتى عمّ الخير في كل مكان من بلاده، قال ابن الأثير:"لمّا ولي الخلافة (الظاهر بأمر الله) أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو قيل إنه لم يلِ الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً، فإنه أعاد الخراج القديم في جميع العراق، وأن يسقط جميع ما جدّده أبوه، وكان كثيراً لا يحصى".

وكان من أمره أنه لا يُسأل التخفيف في شيء إلا فعل بنفسٍ كريمةٍ، ومن ذلك مثلا طلب أهالي منطقة "بعقوبا" في العراق الذين كانوا يدفعون سبعين ألف دينار فردهم إلى عشرة آلاف كما كانوا في السابق، وهكذا كان في كل أمره، رحمه الله، وللمقالة بقية.

تعليقات

تعليقات