براءة الأصمعي من «صفير البلبل» (2-2)

ت + ت - الحجم الطبيعي

أكمل معكم الحديث عن قصيدة "صفير البلبل"، والمنسوبة ظلما وعدوانا إلى الأصمعي، وهو أحد أركان علوم اللغة العربية، وليت هذه القصيدة المنحولة كانت سليمة اللفظ والمعنى، ولكنها غلب عليها الضعف والأخطاء اللغوية وضياع الوزن ولعمرالله إن واحدا منها لكفيل لإسقاطها من قائمة الشعر فكيف إذا اجتمعت هذه العيوب في قصيدة واحدة. ومن يبحث عن أسباب ولع الناس بهذه القصيدة أو قل المصيبة الشعرية سيجد هذه النتائج:

- جهل الناس بالتاريخ واللغة والوزن الشعري من عامتهم ودعاتهم فهم يظنونها مستقيمة صحيحة ولايخطرعلى قلوبهم غير ذلك.

- حبهم للقصص الخيالية وخاصة من مثل هذه الحكاية التي فيها ما فيها من الغرابة والطرافة.

- أسلوب الشيخ أحمد القطان الذي أضحك الجمهور كثيرا، عندما رواها أول مرة منذ عقودٍ فجعلتها مثار اهتمام الناس من بعده. ومتابعةً لمقالتي أمس سأثبت لكم براءة الأصمعي بما تسمح لي مساحة المقالة هذه فأقول:

الأخطاء التاريخية

روى أهل التاريخ أنّ الأصمعي اتصل بالخليفة هارون الرشيد وكان من ندمائه ولم يرد أبدا أنه كان من جلساء المنصور ولو وقع ذلك حقا لذكره المؤرخون، فقد ولد الأصمعي سنة 121هـ، وتولى المنصور الخلافة من سنة 136 هـ حتى 158هـ فيكون الأصمعي أدرك عهده في أول شبابه ومن قرأ سيرته سيعلم أنه في هذا الوقت كان يحصّل العلم ويجمع الأخبار ويلتقي الأعراب ولم يتصل بعدُ بأحد من الأمراء والخلفاء.

 ومن المعلوم أيضا أن الأصمعي كان من كبار رواة أشعار العرب ولم يذكره أحدٌ بقول الشعر كما هو موجود في كتب التراجم، وليت من كذب عليه ألصق به قصيدة تليق بمكانته العلمية بدل "صفير البلبل" التي لا أعدها في الشعر العربي أصلا. كذلك مما عُرف به أبوجعفر المنصور بأنه حريص جدا على مال المسلمين يحسبها بالفلس كما نقول حتى لُقّب بالدوانيقي، وهو الذي يستقصي في الحسابات فكيف يصحُّ أن يقوم رجلٌ هذا لقبه بإفراغ بيت المال لرجلٍ لا يعرفه!!

الأخطاء النحوية واللغوية

كل من يقرأ القصيدة "البلبلية" وهو لغوي سوف يضحك من كثرة أخطائها وجمعها لمفردات لم ترد أصلا في اللغة وهذه الأخطاء لا يقع فيها مبتديء في علم اللغة فكيف نصدّق أن يقع فيها رجل كالأصمعي من أكبر علماء اللغة؟! وهذه بعض الأمثلة من مطلعها، يقول:

 

صوتُ صفير البلبلِ

                      هيّج قلبي الثملِ

 

والصواب : هيج قلبي الثملا وهو تابع لقلبي المنصوب بهيّج، ثم قال:

 

فكم وكم تيمني

                  غزيّلٌ عقيقلِ

 

والصواب:  غزيلٌ عقيقلُ بالضم تابع للفاعل المرفوع فكيف يجوز كسره، وكذلك لا توجد في العربية مفردة عقيقل، وقد حاول أحدهم وشرحها بأنها مكونة من كلمتين أي عقيق لي أي مثل العقيق فأقول له هذا من أعجب الشروح المضحكة! وهناك مثلها في هذه القصيدة كثير لا أستطيع في هذه العجالة حصرها لكم وهي مفردات ليست من العربية في شيء مثل الدمدملي والطبطبلي والعرنجل وغيرها ليست موجودة في معاجم العربية وكم أتعجب من اجتهاد بعضهم في شرحها وهي ساقطة لغة وقواعد إعرابية وليست على قياس لغتنا الفصحى، إضافة إلى أنها مكسورة الوزن في بعضها أو من أوزان مختلفة. 

وإني لأصم آذاني عن سماعها عندما أحضر بعض الأعراس ويقوم أحدهم باستعراض عضلاته الأدبية وينشدها ويصفق له الحضور ويشكرونه عليها، مما يجعلني آسف لحال الفصحى التي باتت مضيعة بين أبنائها.

تاريخ القصيدة المنحولة

هناك قصائد كثيرة مكذوبة على فحول الشعراء وأعلام الأمة ولكنها قصائد موزونة راقية في لفظها ومعانيها وقد بيّن العلماء صحتها من عدمه عندما جمعوا أشعار العرب ولكني آسف للأصمعي الذي ابتلاه هؤلاء بمثل هذا الشعر الغث الذي لا يؤلفه إلا جاهل بالتاريخ والشعر والنحو والصرف ومفردات اللغة ولو خرج الأصمعي من قبره وسمع هذه الفرية لقال: لو اخترتم لي قصيدة أخرى تناسب مقامي في اللغة لأن هذه كذبة سوف يكشفها أي مطلع على العلم!!

وقد حاولت أن أجد مصدرا لها فلم أجد إلا ما قاله شيخو في مجاني أدبه بأن هذه القصة رويت في كتاب "حلبة الكميت " للنواجي وهو من أدباء القرن التاسع الهجري ثم تابعه الإتليدي في كتابه "إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس"، وهو رجل لا نعرف عنه إلا أنه من القُصّاص وتوفي بعد سنة 1100هـ مما يدلُّ على تهاوي هذه القصة من أصلها وهناك من ينسبها إلى غيره، والحديث طويل وفي هذا كفاية للقراء الكرام بأن يعلموا حقيقة "صفير البلبل" بأنها لا تصح لغة ولا وزنا ولا تاريخاً.

طباعة Email