شراكة أبعد من الثنائية

لا يخفى على أي مراقب أن الزيارة التاريخية للرئيس الروسي بوتين للإمارات، وقبلها للسعودية، ومباحثاته مع الشيخ محمد بن زايد، وتأكيد الجانبين على الشراكة الاستراتيجية، تعبر عن واقع جديد بدأ يأخذ مكانه في العلاقات الدولية، ويعيد ترسيم موازين القوى نحو عالم متعدد الأقطاب، ويضع أسساً وقواعد جديدة لاقتصادات ما بعد الطفرة التقنية.

ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن الإمارات وروسيا من البلدان الصاعدة، يمتلك كلاهما تجربة ريادية في بناء منظومات الاقتصادات الجديدة، ويستثمران في القطاعات الابتكارية، كما يمتلكان مفاتيح مهمة في ضمان أمن قطاع الطاقة واستقراره، وتوجيه سياساته بما يخدم التنمية في المستقبل، والاستثمار في الإنسان.

ومن اللافت كذلك أن النجاحات الإماراتية في بناء الشراكات الاستراتيجية مع أهم دول واقتصاديات العالم، تلتقي مع التوجهات الروسية التي تذهب باتجاه إعادة صياغة المنظومة الدولية نحو نظام عالمي متعدد القطبية، يكون أكثر موثوقية وتوازناً، يتسع للقوى الإقليمية والاقتصادية الفاعلة ولا يكون نادياً مغلقاً على مجموعة ضيقة من القوى الكبرى.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العالم اليوم، الذي يتغير بسرعة غير مسبوقة، يشهد تحولاً في مفاهيم العلاقات الدولية، لا سيما لجهة الانتقال من التحالفات الشاملة إلى صيغة التعاونيات الثنائية الحرة، المبنية على المصالح المشتركة، والتكامل في القدرات.

من تلك المفاهيم كان الجانب الإماراتي حريصاً على تأكيد موقفه الثابت من أن أمن منطقة الخليج العربي يمثل مصلحة دولية وليست إقليمية فقط، ضماناً لأمن الطاقة العالمية وحماية للاقتصاد العالمي من الهزات العنيفة التي تمثلها سياسات المغامرة والتهور والهيمنة التي تنفذها دول إقليمية، وهي رسالة تحرص الإمارات على نقلها باستمرار للمجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته تجاه أمن جماعي عالمي لا يخص دول الإقليم وحدها.

إن ما يجمع البلدين من مشتركات أساسية تخدم العلاقات الثنائية، تمكّنهما بحنكة قيادتيهما من تجاوز العشرية الماضية، مجنِّبين شعوبهما العثرات والمنعطفات الحادة والأزمات الاقتصادية التي وقعت فيها العديد من بلدان العالم، وكان من أثرها تعطيل مسيرة التنمية.

ويمكننا أن نلاحظ في مقابل الحفاوة والترحيب الإماراتييْن بالرئيس الروسي والوفد المرافق، اهتماماً روسياً كبيراً بالزيارة، وبمختلف محطاتها، وما شهدته من مباحثات مع الجانب الإماراتي يعبر عن التفاهم، ويعكس بوضوح بُعد النظر في استراتيجية الإمارات للمستقبل التي تمضي قدماً في إطار من الاتزان والتوازن اللذين يميزان السياسة الخارجية الإماراتية.

فبعد عام على إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين أصبحت ثمار تلك العلاقة واضحة من خلال تعاونهما المشترك في المجالات كافة، وما توقيع جملة الاتفاقات خلال زيارة الرئيس بوتين إلا ترجمة صحيحة ودقيقة لتلك الشراكة، وتعبير عن إرادة سياسية مشتركة تحترم المصالح وتضمنها.

القراءة السريعة في مجالات التعاون بين البلدين تشير بوضوح إلى حرصهما على رفد علاقاتهما النوعية بمزيد من التشابك والاستفادة من إمكانات بعضهما الاستثمارية بما يحقق طموحاتهما عبر شراكات فعالة تمتلك آليات التنفيذ، والتنسيق في المجالات السياسية ومحاربة الإرهاب والتطرف وضمان إمدادات الطاقة بما يدفع نحو استعادة المنطقة العربية استقرارها، وللسوق النفطية توازنها.

وبدا واضحاً خلال المباحثات تطلع روسيا إلى تمتين العلاقات الثنائية، ولخّص الرئيس بوتين ذلك حين وصف تطور الإمارات بالديناميكية العالية والشريك التجاري المحوري، وهي نظرة إيجابية تفتح المزيد من أبواب الشراكة وتستشرف مستقبلها وتطور القائم منها؛ لأن اتفاق الشراكة يستوعب المزيد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات