تجارب تعليمية ناجحة (2)

ت + ت - الحجم الطبيعي

ليس التركيز على التلاميذ وحده ما يضمن نجاح العملية التعليمية في فنلندا، وإنما يحتاج النظام التعليمي لأنْ يهتم بالمعلم أيضاً، ولذا ليس من السهل أن يصبح المرء مدرساً في إحدى المدارس الفنلندية، إذ يجب على مَن يرغب في التدريس هناك أن يحصل على شهادة الماجستير أولاً.

ومع ذلك فمِن بين كل عشرةٍ من المتقدمين للحصول على وظيفة التدريس هناك يُقبل واحد فقط، وهذا ما يجعل مهنة التدريس ذات مكانة عالية في المجتمع، شأنها شأن الطب والمحاماة والهندسة، ولأن المدرسين على مستوى عالٍ من الكفاءة، تتركُ لهم حريةُ تصميم المناهج بالطريقة التي يرونها، وفق أطرٍ معينة أو خطوط عريضة لمجموعة من الأسس العامة.

فمثلاً إذا كان هناك معلمان لمادة العلوم في مدرسةٍ ما، فسيدرِّس كل واحد منهما المنهجَ بطريقته التي صممها، ذلك لأنه لا يوجد في فنلندا منهجٌ موحّد يدرّس لجميع الطلبة في المستوى الواحد، ولا توجد اختبارات عامة على المستوى الوطني قبل مرحلة الثانوية، ولا تخضع المدارس هناك للرقابة المباشرة وزيارات التقييم، وإنما يُـترك التدريس للمدرسين باعتبارهم مهنيين وذوي تعليم مرتفع.

أما من حيث ساعات العمل فالمعلمون في المدارس الفنلندية يعملون ما يقدّر بـ32 ساعة أسبوعـيّاً، وهذا الوقت في التدريس أقل بكثير من نظيره لدى المدرسين في بلدان أخرى، فأقرانهم على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية يعملون 40 ساعة، وفي بريطانيا يصل عمل المدرس أحياناً إلى 60 ساعة في الأسبوع، لذلك يستغل المعلمون الفنلنديون الوقت الزائد عن التدريس للعمل على تطوير مستوياتهم وتحسين أدائهم المدرسي.

وأما المناهج هناك فتتمتع بالمرونة بسبب تركها بيد المدرسين، وعندهم لا تفصل العلوم عن بعضها، ولا يدرس الطالب مثلاً الفيزياء والرياضيات والكيمياء بشكل تلقيني، وإنما يدرس هذه المواد بشكل مترابط مع مجريات الحياة والتجارب العملية، لأنّ المناهج تركز على المهارات أكثر من تركيزها على كمية المعارف والمعلومات التي تحشى بها دماغ الطلبة في أماكن أخرى، وتعمل المدارس في فنلندا على تقديم مسارات مرنة للطلبة، وبدلاً من أن يختار الطالب المسار الذي يرغب في أن يتخصص به في الثانوية عشوائياً، فإنه يتمكّن من التحرك من مسار لآخر، حتى يستقر على تخصص مناسب له، وربما عاد مجدداً للمسار الذي يفضله بعد اختبار مسارات أخرى، وبهذا النظام الناجح وغير المألوف للتعليم حصلت فنلندا في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة على المركز الأول في التعليم مناصفةً مع الدنمارك وأستراليا ونيوزيلندا.

 

طباعة Email