وجهة نظر

سخاء الاكتفاء

توجه شاب للسوق الشعبي طالباً غرضاً من ذلك الشيخ الكبير. أشار المسن إلى المحل الذي يقابله قائلاً «ستجد ما تبحث عنه في المحل المقابل». بعد تمعن، سأله الشاب «لكني أرى في محلك ما أبحث عنه». «لم أقل لك أني لا أبيع ما تحتاج، لكنك ستجده عند ذلك المحل». لم يفهم الشاب فألح بنظراته وتساؤلاته على المسن.

بعد استفهامات طالت، قال الشيخ، لقد رزقني الله اليوم بالقدر الذي يكفيني لشراء قوت يومي فأكتفي بهذا القدر ولله الحمد. أما جاري حسن، فلم يشترِ أحد منه اليوم. لذلك أريدك أن تشتري منه. لولا أننا لا نكتفي يا بني لما عشنا. فالاكتفاء نعمة وقوة. همس المسن في أذن الشاب «لو لم يشترِ أحد من حسن سيصبح لدينا عاطل في المجتمع لا ينفع ولا ينتفع».

من تلك القصة، تعلمت أن هناك نوعاً فريداً من السخاء لم أكن أدركه. يختبئ خلف عباءة الاكتفاء مستتراً بالكنز الذي لا يفنى، القناعة. نتغنى بالطموح أحياناً دون أن ننتبه أن ما نسميه طموحاً ما هو إلا طمع. وما نطلق عليه ذكاء هو في الحقيقة جشع.

يحفر أحدهم للآخر باسم المنافسة. يكيد الزميل لزميله صاعداً على كتفه متسلقاً سلالم الترقية. يهيم الضالون في غياهب الطمع على وجوهٍ ملأها الجشع طغياناً. أما الفائزون بكنز الاكتفاء تراهم يتوسدون راحة البال متنعمين بسكينة النفس الطيبة المحبة السخية. ابتسامة الرضا تعلو محياهم يجودون باكتفائهم على من حولهم.

أن تكتفي يعني أنك وصلت لمرحلة من النضج لم تصل لها من قبل. اكتفِ بالقليل يغرقك الله بوفرة النعيم من عنده. أدعوك أن تكتفي بما يصلك لا بما تقدمه. الاكتفاء بما قسمه الله لك قناعة ولكن الاكتفاء بما تقدمه أنت عجز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات