ثقل الهموم

في طريق الليل الطويل. تثقل الخطى وتفيض المشاعر الجياشة. والليل في لوحة صمت سماؤه تختلط بغيوم وأنوار الشوارع. وحفيف عاصفة بدت وكأنها بداية الرواية.

لا تثقل من هموم خلك خفيف الروح وإن بدت لك سود الأيام تراها تهذبك وتقوي من صلبك للقادم. فلو رأيت مدن الحرب كيف خربتها الوحوش الخالية من معاني الإنسانية. وأصبحت حطاماً ملطخاً بالدماء.

وباتت وعود وعهود المحبين رماداً. تذكر براءة الطفولة في أجواء الرصاص والخوف لا يريدون لعبة ولا حلوى سوى أمان يضمهم وكأنهم يصارعون الموت ليعيشوا على وطنهم الذي دفن فيه أحبتهم. لا تكن حطاماً مهزوماً فأنت لو قارنت حياتك بهم لأصبحت من الرضا في قمة السعادة. لا تزال تشعر بدمع امرأة ثكلى وأنين شيخ كبير. وهم يوارون التراب على زهرة الشباب التي فارقت الحياة وصبرهم في الوعود الربانية. ووصلهم حبل الدعاء. هناك بكاء وعويل. وحطام وحسرة وتلوث وموت قبل الموت. كيف ترمرم نفسك دون هويتك. دون وطن أمان لا تسكنه خفافيش الكهوف.

لوحة مأساة لا يفك رموزها سوى فنان أجاد اختيار الألوان. وخربشات ريشته من عمق أحزانه ووجدانه. وشاعر بالحزن رثى بكلماته الحب والوطن والأمان وشيعه لمثواه الأخير على وزن القافية يتذوق لذاعة الأسى. وكاتب بأبجديات الحروف ختم الرواية بموت أبطالها الذين ماتت آمالهم والعمر انقضى وذبلت زهور كانوا يسقونها بماء الأمل لتكبر ويكبر معها يقين قلوبهم. ليتلاقوا في بطون الأرض لا على أرضها.

فأين الوطن وأين الدار وأين الأهل والأحباب وأين وعود تلاشت مع دخان الرصاص. حتى الطيور غادرت المكان ليخيم الليل والدجى يتساوى مع النهار. والصباح الذي نتغنى به لا يفتحون الستائر له بل يعيشون ظلام النهار لأن خيوط الشمس اختلطت بسواد التلوث وأحجبتها عنهم. ورغيف الصباح احترق باحتراق قلوب أمهاتهم. وأصبح أجواؤهم دخان الخبز وغبار القبور.

لا يتغنون بالصباح ولا تلفحهم إشراقه ولا يسمعون تغاريد الطيور. لأن الأغصان حرقت كما حرقت قلوب الأمهات. الطير والولد بلا وطن. فأين الحياة والفقد هو الموت قبل الموت. الخراب في البشر والطير والشجر والدار حطام، ودموع اختلطت بالأسى، يومهم وإحساسهم ولباسهم أسود، ولكن هل ترى قلوبهم اسودت؟ وإذا صارت فليس اللون الأسود في كل حالاته معنى واحداً. قد يكون اللون بدرجاته التي تعني كراهية الطغاة والحقد الدفين ومآسي بلا قوت ولا ملاذ. على عكس اللون الأسود لديك في بعض حالاته يعني الفخامة.

لن أطيل عليك فهل لك بعد هذا أن تحزن وأنت بعيد عن كل هذا؟ كل ما يمر بك لا يساوي ذرة من القهر على الوطن. أدام الله عليك نعمة الأمن والأمان والوطن. وحفظك الله من كل مكروه. وحفظ قادتنا. هم بعد الله أماننا وملاذنا..

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات