في مفهوم الحداثة التي ظهرها إلى الجدار

ت + ت - الحجم الطبيعي

الحداثة، موضوعها ليس بسيطاً فهمه؛ فهي لدى البعض من الناس، حداثة تقتصر على النصوص الأدبية، بمعنى تطوير اللغة التي كُتبت بها، سرداً كانت أو شعراً، وكذلك الفنون بتفرعاتها إلى حد ما، لأن الفنون لا تتقادم وهذا موضوع آخر عميق. والحداثة لدى بعض آخر، هي تطوير البنية التحتية للمدن كالطرق والمواصلات والاتصالات وما شابه. وفيما بعد برز مفهوم آخر لمعنى الحداثة، تحدث به بعض ثالث، وهو أنها ليست مقتصرة على اللغة والبنية التحتية، طرق ومواصلات واتصالات، إنما تطال مؤسسات الدول، إذ هي أيضاً يجب أن تتطور، لتواكب الزمن في تقدمه المتسارع، وإلا فما معنى الدولة الحديثة، أو الدولة المتقدمة، لولا إجراء هذه العملية التطويرية في الإدارة؟

ويفهم من مصطلح الحداثة أنها تقتضي الارتقاء بالمجتمعات البشرية على صعيد التمدن وطرائق التفكير والقيم الخاصة والمطلقة، على تعددها، وكذلك تطال الحداثة الذائقة العامة وتطويرها. وصدرت كتب تصنف الحداثات من حيث معناها المباشر؛ فمنها ما فرّق بين حداثتين، الأولى الحداثة الصلبة، وهي التي أعطتنا مجموعة مفاهيم ومسميات لم يكن العالم يعرفها من قبل، كمفهوم الدولة، والمجتمع، والحدود الوطنية، والسيادة إلى آخره. والثانية الحداثة السائحة، وهي التي أعطتنا مفاهيم ومسميات جديدة، تمثلت في ثورة الاتصالات، والتقنية الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، على تعددها واختلاف أهدافها. وإن كانت كلها تندرج كوسائل وأدوات للعولمة، التي جاءت زوبعة وهي الآن يُراد النكوص عنها، وإيقافها؛ فأولئك الذين نادوا بها وأسهموا في إشاعتها، واعتبروها خطوة حضارية ضرورية، ولا غنى للبشرية عنها، ها هم اليوم ينكفئون على أنفسهم، ويناصبون العولمة النفور والعداء. وهذا موضوع آخر عميق، يحتاج إلى كلام كثير وأدلة.

هنالك عدد كبير من الكتّاب، في منطقة الجزيرة والخليج العربي، وخارجها، كتبوا عن الحداثة، ونظروا لها، وأشبعوها نقاشاً، ورصدوا باهتمام بالغ التحولات الثقافية في المجتمعات الخليجية، وكتبوا عنها وفيها، لكن بدا المؤلف الدكتور حسن مدن، في كتابه الصادر حديثاً الموسوم بـ(حداثة ظهرها إلى الجدار)، أن ليس كمثله سوى كتاب معدودين على أصابع اليد الواحدة، كانوا قد سبقوه في طرق هذا الموضوع الواسع، لكن الدكتور مدن تميز في الكتابة عن موضوع الحداثة، إن لجهة أسلوب المعالجة وعمقها، أو لجهة استدعائه لتمثلات وشواهد تاريخية، بدءاً من الجذور التاريخية لمساعي النخب الثقافية الخليجية الأولى في مطالع القرن العشرين، ممن عرضوا لموضوعة الحداثة، كما ينبغي كمصطلح ومفهوم، في المجتمعات الخليجية وجوانب الحياة المعاصرة فيها، وانتهاءً بالوقوف على ما وصلت إليه هذه الحداثة التي تحققت في الزمن الراهن في المنطقة.

وتفحص هذا النموذج الحداثوي - إن جاز التعبير - والغوص فيه لمعرفة إلى أي مدى هو حقيقي، في اقترابه وابتعاده من الحداثة كمفهوم سليم ومنشود، التي سعت إليها بشكل حثيث مجتمعات الجزيرة والخليج العربي، عبر تدعيم روافعها، من ثقافية وتعليم ومبادرات أهلية، وذلك للوصول إلى ما يعين على تحقيق غايات الحداثة وأهدافها، أو أقله جوانب منها على أرض الواقع المعيش، خاصة في مرحلة ما بعد اكتشاف النفط وتصديره، وما شهدته بلدان المنطقة، وإن بصورة متفاوتة، ما أطلق عليه (الطفرة الاقتصادية) في منتصف القرن الماضي، قبله أو بعده بقليل. واتسمت مهمة تحقيق الحداثة بصعوبة بالغة، بسبب العزلة التي فرضتها الهيمنة الأجنبية، تحديداً البريطانية منها، على إمارات الخليج العربي، ما حال دون تواصلها مع محيطها العربي، كما يقول الكاتب في مؤلفه، الذي بدأ يروج في الأوساط الثقافية والفكرية العربية، في غير مطرح، آخرها معرض بغداد للكتاب الذي انتظم في نهاية العام الفائت، حيث أقيمت للمؤلف أمسية خاصة، عرض لجانب من كتابه المذكور.

وفي إحدى مقابلاته الصحفية، قال الدكتور مدن: (إن هنالك فرقاً بين الحداثة والتحديث. وهو أمر تناوله مفكرون عرب بارزون، في نطاق تحليلهم لوضع الثقافة العربية الراهن، وأيضاً لمسار الحداثة العربية منذ بدايات ما تعارف عليه بـ«النهضة العربية» على يد روادها الأوائل، أمثال رفاعة رافع الطهطاوي وشبلي شميل وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وسلامة موسى وطه حسين وسواهم). وكتاب (حداثة ظهرها إلى الجدار) علاوة على ما تخلفهُ قراءته المتعمقة من متعة، لأسلوبه وأهمية موضوعه كما سبقت الإشارة، فهو يتحدث عن أربع عزلات فاصلة، تعرضت لها الأمة العربية عبر تاريخها الطويل، العزلة الأولى لجزيرة العرب، كسرها الإسلام إذ مكنهم من الانفتاح على العالم كله. أما العزلات الثلاث، فينبغي للقارئ المهتم، التوقف عندها لفهم أسبابها، والعوامل التي أدت إلى قيامها ثم كسرها.

طباعة Email