الشّباك الثاني.. في المبنى العتيق

ت + ت - الحجم الطبيعي

انطويت إلى فراشي بعد أن شاهدت أفول قمرٍ يتوارى أمام نافذتي، لا أنكر أن عزفها شاركني منامي فما استيقظت إلا وعيناي ترقبان النافذة.. أسدل الستار عن تلك النافذة ورفع الستار عن نافذة أخرى.. أخذت نفساً عميقاً.. أرهقني ذلك المبنى. أما عن هذه النافذة، فكان يقطنها الفنان والرسام الشهير السيد مارسيل وزوجته، اللذان احتفل المبنى بأكمله بزواجهما بعد الحرب العالمية الثانية. 

هذا المبنى العتيق لطالما شهد عدداً من القصص، من بينها حال السيد مارسيل الذي كان أمره يدهشني دائماً. يقضيان معظم وقتهما في حديث مستمر، وفي كثير من الأحيان كان المبنى يستيقظ على صوت ضحكاتهما ورقصاتهما. تشرق الشمس وهي تجلس على حافة تلك النافذة بفستان أبيض متدلٍ. مازلت أذكر جمالها وهي تستند على حافة نافذة عكسية وعينا الرسام منشغلتان برسم تفاصيلها. أذكر أنه في حديث عابر بيني وبين مارسيل عندما سألته لماذا ترسمها، قال: من أجل عينيها بذلت حياتي وقوتي وكذلك مالي ولم أندم على هذا أبداً. حبيبتي وصغيرتي، أقضي معظم وقتي في الاستماع إليها وفرشاتي تستمع إلى عفويتها وترسمها في آنٍ واحد. في لوحة بيضاء أبرز جمال عينيها ثم أكتفي بذلك!

نفس عميق وضجيج في آنٍ واحد، خطوة ثابتة وخطوة ترتعد، ألم بلا حدود يجوب ويجول بين أضلعي، لم أدركه من قبل، ولن أدركه. لم أكن أعي قوة تأثيرها. إعصار يبعدني عن مراتعي وإن كانت قدماي تسعيان عليها. أبحرت بعيداً ولم أشعر بخطأ قدميَّ. خطوة ومن حولها أنفاس وقلوب ترتعد، تبحر بي بعيداً، أخذت نفساً ووضعت لجاماً على كل خطواتي.

أدرك بعد مرور أعوام أن خطواتي أصبحت محسوبة، وأن أناملي مقروءة وعينيّ تترنمان طرباً وفرحاً. لا أشعر بوجود جسدي ولا بوجود قدميَّ ولا أعلم ما ترسمه فرشاتي! الشيء الذي أدركه هو أن قلبي يتراقص فرحاً عندما أرسم عينيها في كل ليلة.. خشية أن أفقدها يوماً ما!!

لحظة تأمل:

نبدأ في الحياة إذا أوتينا كافة عناصر النجاح، إنما نتوفق فجأة على لا شيء، وهذا اللاشيء يكفل لنا الاتزان، مثل الطفل في شهوره الأولى عندما تتخبط قدماه الصغيرتان ويعتري أمه القنوط فتقول: «إنه لن يمشي...!» ثم إذا به ذات صباح يمشي، وتمشي قدماه، لا يلوي على شيء. ويصبح كغيره من الأطفال، وقد اتخذ مكانه، وطيداً على الأرض.

هكذا علاقاتنا اتجاه عالمنا، أبحرت بعيداً وأنا لم أتجاوز محيطي عندما سمعت سرد مارسيل! من منا يستطيع أن يتحمل انكساراتنا، واختزالنا، ثورتنا، غضبنا، جمالنا، وبروز تجاعيدنا، هناك الكثير من العلاقات التي قد يسودها الخلاف والخصام وعدم التفاهم.. ثم نستيقظ.. بعد نومٍ عميق!

طباعة Email