مبادئ الإدارة التي غيرت مجرى حياتنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

في عام 1916 كان نحو 90 في المائة من الأمريكيين وربما العالم بأسره يعملون في الحقول الزراعية والمهن التقليدية.

بعبارة أخرى، لم تتشكل بعد المؤسسات التجارية والمصانع الكبرى، التي يصل هدير منتجاتها إلى أقاصي العالم. كانت الحياة في الكرة الأرضية بدائية لا ترى فيها ناطحات سحاب، ولا طرق معبدة سريعة، ولا مطارات عملاقة، وسيارات سوى لثلة قليلة جداً من الأثرياء.

كما أن اختراع محرك السيارة التي تسير على ثلاثة دواليب من قبل المهندس الألماني كارل بنز لم ينتشر بعد في شتى أرجاء المعمورة.

حيث كانت معظم الشعوب تستعين بالبهائم للتنقل ونقل بضائعها، فضلاً عن السفن للتجارة. في ظل هذه الأجواء جاء أحد أبرز علماء الإدارة الكلاسيكية هنري فايول بما اعتبر نقلة نوعية في العمل الإداري، عبر تقديم «14 مبدأ في الإدارة».

هذه المبادئ قلبت موازين تفكير المنظمات التجارية والقائمين عليها. قال هنري في كتابه الإدارة العامة والصناعية المنشور عام 1916:

إن «تقسيم العمل» مسألة جوهرية يمكن أن تغير مجرى الإنتاجية، وكان يقصد أن يتخصص الفرد في مهمة واحدة، ومع مرور الوقت سوف ترتفع الإنتاجية والإتقان بصورة مذهلة.

وهذا ما حدث في خط إنتاج السيارات وغيرها، حيث لاحظ القائمون على المصانع في منتصف القرن العشرين أن الفرد إذا ما ركز على مهمة واحدة فإنه سيصبح خبيراً وسريعاً فيها، حيث كان العاملون يعملون أموراً عدة من دون تخصص دقيق.

والمبدأ الثاني «تناسب السلطة والمسؤولية»، فلا يعقل مثلاً أن يتمتع المسؤول بسلطة إصدار القرارات والأوامر والتفويضات ولا يتحمل عواقب ذلك. من هنا جاءت فكرة أن يتحمل الفرد مسؤولية السلطة الممنوحة له، فالتفويض لا يعني إعفاء من فوض من المسؤولية، وهذا ما يدفع كثيراً من الوزراء وكبار المسؤولين إلى الاستقالة من منطلق تحمل المسؤولية السياسية أو الإدارية.

والمبدأ الثالث «الانضباط» Discipline، وقد رأينا في عصرنا كيف تفلت زمام الأمور في الإدارات التي يغيب عنها الانضباط، فكيف سيكون وضع إدارة خدمة عملاء لا يلتزم العاملون فيها بالحضور في الوقت المحدد لكاونتر الخدمات، وقدم فايول مبدأ رابعاً وهو «وحدة الأمر».

والذي ما زال خالداً إلى يومنا هذا، فلا يقبل أي هيكل تنظيمي مهني أن يكون للفرد الواحد مديران. بمعنى آخر، لابد أن يقيم كل شخص في نهاية العمل شخص واحد فقط.

لا نقصد هنا الاستئناس برأي رئيس قسم آخر عن أداء مشترك ومؤقت معه، بل عن علاقة دائمة بين مرؤوس ومدير واحد، ولو كان الأمر كذلك لكان هناك قبطانان ورئيسان تنفيذيان للبنوك بالصلاحيات نفسها، فتقع مشكلات لا حصر لها، وتبدأ حفلة إلقاء اللوم على الآخرين.

وقد أسس لنا هذا العالم مبدأ خامساً، وهو ضرورة «إخضاع المصلحة الفردية للمصلحة العامة»، فعندما يتم تعيين شخص مديراً ونسلحه بالصلاحيات المالية والإدارية ينبغي عليه ألا يوظف ذلك لمصالحه الشخصية. ربما يعد البعض هذا أمراً بديهياً في عصرنا، لكنه في الواقع لم يكن كذلك آنذاك، مقارنة بوضعنا الراهن بمؤسساته الكبرى والعديدة، التي ولدت مناصب عليا لا حصر لها، ولأن الإنسان بطبعه نزاع نحو مصالحه جاءت ثورة الحوكمة الرشيدة لدعم مراقبة أنشطة الناس وقراراتهم في بيئات العمل.

كما نبهنا عالم الإدارة هنري فويل إلى مبدأ سادس وهو «تدرج السلطة» scalar chain، فلا يعقل ألا يعلم الموظف ما هو مسار تدرج سلطته في الهيكل التنظيمي، وضرورة أن يناط بكل منصب مسؤوليات تختلف عن تلك التي دونها، حتى يحظى الفرد في رأس الهرم التنظيمي بأكبر قدر من السلطة.

أما باقي المبادئ فهي، مبدأ وحدة التوجه، والتعويض ومكافأة العاملين، ودرجة المركزية، والنظام، والمساواة، واستقرار الموظفين في العمل، والمبادرة، وروح العمل الجماعي. ربما نراها أموراً بديهية، لكننا كمختصين في علم الإدارة ما زلنا نعدها مرحلة فاصلة في أدبياتنا، حيث رسخت العديد من الممارسات الصحية في بيئات العمل، وانبثقت منها تخصصات، ودراسات، وتطبيقات مهنية صار يشار إليها بالبنان.

وقد نجحت بسبب مبادئ الإدارة الأربعة عشرة لهنري فويل ملايين المؤسسات منذ مطلع القرن العشرين حتى عصرنا الراهن، وذلك في حفظ أموالها وحسن إدارة الناس، وجني مليارات لا حصر لها، والتي فتحت في نهاية المطاف آفاقاً كبيرة لمزيد من التألق والإبداع.

* كاتب كويتي متخصص في الإدارة

 

طباعة Email