تاريخ تطور عقولنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

يبدو أن الحديث عن المكتبات ذو شجون، ومعنى «الحديث ذو شجون» أنه متشعب متفرع مؤثر محرك للعواطف يجر بعضه بعضاً. وهذا مثل له قصة تروى، ليس هذا مجال التفصيل فيها.

ولأن الحديث عن المكتبات ذو شجون فقد حدث بعد نشر مقال الأسبوع الماضي عن إغلاق «مكتبة الساقي» في لندن، أواخر شهر ديسمبر الحالي، أن كتب لي الصديق الدكتور محمد عبدالرحيم سلطان العلماء يخبرني أنه في لندن، وأنه سيحرص على زيارة المكتبة قبل إغلاقها، ووعد مشكوراً بإيصال المقال إلى السيدة سلوى غاسبار، مالكة المكتبة ومديرتها، التي لا تربطني بها معرفة رغم تأثري لإغلاق المكتبة التي أسسها والدها.

كما كتب لي الصديق خالد الهاشمي يقول إنه حزن عندما سمع خبر إغلاق المكتبة لأنه كان أحد روادها، وكان يحرص على زيارتها عندما يكون في لندن، وتذكّر نقل مكتبة «دار الحكمة» من مكانها في ميدان بني ياس (جمال عبدالناصر سابقاً) في ديرة إلى بر دبي، منوهاً إلى أن لنا مع المكتبات ذكريات جميلة.

أما الصديق الكاتب محمد حسن الحربي فقد تعاطف معي في مقاله المنشور في صحيفة «البيان» الأسبوع الماضي، وعبّر عن تأثره الكبير عندما سمع الخبر، قائلاً إن إغلاق مكتبة بمقام تدمير لمنارة معرفية تهدي وتعلم، لا سيما في عصرنا الضاجّ بالفوضى والمكدرات من كل حدب ونوع.

كل المكتبات التي مرت في حياتنا شكلت منارات علامات فارقة فيها، فأنا لا أنسى أول كتاب اشتريته من مصروفي الخاص وأنا طفل صغير لا أتعدى العاشرة من عمري، من المطبعة العمانية في ديرة لصاحبها الأديب والشخصية الإماراتية المرموقة، كما يصفه الأستاذ عبدالغفار حسين، السيد هاشم الهاشمي، الذي أسس، بمعاونة أخيه السيد علي الهاشمي، عام 1959 أول مطبعة وطنية في الإمارات، وذلك بعد عام من تأسيس التاجرين الكويتيين رضوان محمد الرضوان وأخيه أحمد «مطبعة الرضوان» في دبي، التي تعد أول مطبعة تجارية في الإمارات، كما يذكر الصديق الدكتور عبدالله المدني في مقال منشور له في «البيان» بتاريخ 30 مايو من هذا العام، نقلاً عن كتاب الباحث الإماراتي الدكتور عبدالله الطابور «رسائل الرعيل الأول من رواد اليقظة في الإمارات».

بعد المطبعة العمانية، التي كانت مطبعة ومكتبة في الوقت نفسه، والحديث عنها وعن مؤسسها يطول، وهي التي اقتنيت منها أول كتاب اشتريه من مصروفي الخاص، تطورت العلاقة بيني وبين المكتبات، فأصبحت زائراً شبه يومي لثلاث مكتبات تجارية في دبي، بالإضافة إلى مكتبة دبي العامة التي افتُتحت عام 1963 في منطقة الرأس بديرة.

هذه المكتبات هي؛ المكتبة الأهلية، ومكتبة النهضة، ومكتبة دبي للتوزيع، وكانت جميعها في ديرة، تقع على بعد مسافات متقاربة إذا ما قسناها بمقياس هذا الزمن للمسافات، وإن كانت تبدو متباعدة عن بعضها بمقياس ذلك الزمن، حيث كانت المكتبة الأهلية في شارع سوق مرشد، بينما كانت مكتبة النهضة في شارع السبخة قرب تقاطع شارع نايف، وكانت مكتبة دبي للتوزيع في شارع نايف.

لكل مكتبة من المكتبات الثلاث قصة تأسيس ومراحل تغيرت خلالها أسماء بعضها، كما تغيرت أماكن بعضها أيضا. وقد كتب عن قصص تأسيس هذه المكتبات وتطورها، بالإضافة إلى قصص مكتبات أخرى، الصديق الباحث الأستاذ بلال البدور في مقال منشور له في «البيان» بتاريخ 28 يونيو عام 1999م، وهي قصص يجب أن تتطلِع الأجيال الحالية والقادمة من أبناء الإمارات عليها، لأنها تشكل حلقة مهمة في سلسلة تطور الحياة الثقافية في الإمارات قبل قيام الاتحاد وبعده.

تغيرت أسماء بعض تلك المكتبات، كما تغيرت أماكن بعضها، لكن الذي لم يتغير هو شغفي بالقراءة وارتباطي في مرحلة مبكرة من العمر بهذه المكتبات الثلاث، بالإضافة إلى مكتبة دبي العامة، وبعض أصحابها، خاصة المرحوم مبارك بن محمد الوشام الجنيبي، صاحب ومؤسس مكتبة النهضة، ذلك الرجل الهادئ الذي كان يحسن استقبال زبائنه، ويرشدهم إلى المفيد من الكتب والمجلات، ويطلعهم على الجديد من المطبوعات، ويوفر لهم طلباتهم منها، والمرحوم أحمد بن علي الكيتوب، صاحب ومؤسس مكتبة دبي للتوزيع، وأنجاله الكرام.

وكانت هذه العلاقة، بين شاب صغير يتطلع إلى المعرفة، وأصحاب مكتبات ليس هدفهم الربح التجاري، وهو حق مشروع لهم، كانت هذه العلاقة، أو المعرفة إذا شئنا الدقة، هي جوهر نقاء تلك الأيام والمراحل الأولى من الحياة، الذي بقي مشعاً يضئ رغم كرّ الأعوام وتبدل الأحوال.

تاريخ المكتبات في حياتنا هو تاريخ تطور عقولنا ومعارفنا ومداركنا وشخصياتنا، وما لم نحتفظ بهذا التاريخ حياً في ذاكرتنا، التي تتآكل بفعل عامل مرور الزمن، فإننا نفقد أجمل ما في حياتنا وأكثرها فائدة ونفعاً وألقاً.

 

طباعة Email