الأقارب عقارب هل هي حقيقة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

الإنسان كائن اجتماعي، ويحتاج إلى الاندماج مع المجتمع والأقارب والأهل؛ ولكن هناك بعض المشاكل والاختلافات التي تقع نتيجة لهذا الاندماج والتداخل مع الآخرين، ورغم أن هذه الأمور طبيعية، لكن هناك إرثاً قديماً يدعو للتخفيف من مختلف الواجبات الاجتماعية التي لا تخفى علينا.. وهذا الإرث موجود في مختلف الشعوب والأمم، يدعو للتقليل من الزيارات المتكررة واللقاءات المستمرة، فهناك مقولات نظمت الحياة الاجتماعية جاءت في كلمات واضحة وحكم مجزية: «زر غباً تزدد حباً». أي زُرْ يوماً وغِبْ أياماً حتى يحبك الناس ولا يسأموك.

‏وهذه المقولة لها قصة وهي أن معاذ بن صرم الخزاعي، وكان فارس خزاعة، وكان يكثر زيارة أخواله، فأقام معهم زماناً، ثم إنه خرج مع بني أخواله في جماعة من فتيانهم يتصيدون، فحمل معاذ على عير، فلحقه ابن خال له يقال له الغضبان فقال: خلّ عن العير. فقال: لا، ولا نعمت عين. فقال له الغضبان: أما والله لو كان فيك خير لما تركت قومك. فقال معاذ: زر غباً تزدد حباً. فأرسلها مثلاً. ثم أتى قومه، فأراد أهل المقتول قتله فقال لهم قومه: لا تقتلوا فارسكم وإن ظلم. فقبلوا منه الدية. ومن هذا المثل قال الشاعر:

إذا شئت أن تقلى فزر متواتـراً ... وإن شئت أن تزداد حباً فزر غبا

إنها ليست دعوة للقطيعة، ولكنها لتقليل الزيارة والتخفيف من الإقامة عند الأقارب، إنها دعوة لترتيب الزيارات والتخفيف منها، خاصة وأن بعض الزيارات قد تستهلك وقتاً أكثر ولا يمكن تعويضه، كما أن بعض الزيارات تصبح لها تبعات والكثير من الخلافات والمشاكل والعراك والصراخ وربما الدخول في تشابكات وخصام قد يصل لسنوات، وقطيعة لا تنتهي قد تصيب الأسر ويتوارثها الأبناء دون ذنب منهم.. هي دعوة لتنظيم علاقاتنا الاجتماعية في عصر يتسم بالسرعة في مختلف شؤون الحياة، وليس قطع العلاقات مع الآخرين.

إن مقولة (الأقارب عقارب) نسمع عنها بين الفينة والأخرى، ولكن لا مبرر لترديدها والحديث عنها وكأنها حقيقة مطلقة، وللأسف قد تكون من أشخاص يحملون العلم والمعرفة والثقافة وعلى درجة عالية من الخبرة في الحياة، ورغم هذا لا يستطيعون التفريق؛ فيقومون بتعميم تجاربهم الفاشلة بناء على مواقف معينة حدثت لهم، وهي حالات شاذة كما ذكرت في العلاقات الاجتماعية، ربما قد يكون بعض من بين أقاربك مؤذين أو حدث لك معهم تجارب قاسية، محاولين النيل منك في غيابك، أو كانوا مصدراً للشائعات والأكاذيب والأقاويل، لكن ليس بالضرورة أن يكون جميع أقاربك بالصورة نفسها. إن المقاطعة هي عبارة عن فشل وهروب من المواجهة.. لا تقاطع أقاربك لمواقف معينة وتعميمها على الناس بشكل عام؛ عليك بالمواجهة والنصيحة والإرشاد، فربما بعض منهم قد يكون قوارب نجاة وخيراً لك.

طباعة Email