عبدالحفيظ خان اليوسفي.. حقق حلم زايد في تشجير الإمارات

ت + ت - الحجم الطبيعي

أولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قضايا البيئة اهتماماً كبيراً منذ أن كانت البيئة مصطلحاً غير متداول كما اليوم. وخلال مسيرة حياته انشغل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالزراعة ووضع نصب عينيه تحويل بلاده إلى جنة خضراء. فهو القائل: «أرني بلداً يتمتع بقاعدة زراعية قوية، أريك بلداً قوياً راسخاً». ومن هذا المنطلق تمّ تأسيس المؤسسات والهيئات الخاصة لإدارة وحماية البيئة وتحديد أولويات العمل البيئي مثل مكافحة تلوث الهواء وتلوث الماء والتصحر وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية واستصلاح الأراضي الزراعية الجديدة، وبناء الأفلاج، وإنشاء القنوات، وتوفير المياه دون مقابل، ومحاربة أسراب الجراد. ومن خلال هذه السياسات الحكيمة، تحققت معجزة زراعة الصحراء والتي تعتبر أحد الإنجازات الخالدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حيث تمّ ترويض الصحراء وطبيعتها القاسية وحرارتها العالية لتتحول إلى رقعة خضراء.

بعد قيام الاتحاد واصل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، اهتمامه بالبيئة والزراعة وعممها، بدليل أنه وجه حكومة أبوظبي سنة 1977 بإطلاق خطتها التنموية الثلاثية الأولى بمبلغ 24 مليار درهم، تمّ تخصيص نحو ستة مليارات منها لتطوير القطاع الزراعي ومرافقه. وفي الوقت نفسه شدد، رحمه الله، على أن تحذو الحكومة الاتحادية حذو أبوظبي في هذا المجال، فتعمد إلى تطوير القطاع الزراعي تطويراً مستداماً بقدر ما تسمح به الظروف الطبيعية، فتأسست وزارة الزراعة والثروة السمكية التي عهد بحقيبتها إلى سعيد الرقباني (تم إلغاؤها واستبدالها بوزارة البيئة والمياه عام 2006).

ذكر الوزير الرقباني في كتابه «زايد رجل بنى أمة» أنه «في فترة الستينات، وحتى إذا أخذنا في الحسبان الزيادة التي شهدتها المساحات الزراعية في أبوظبي بعد تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الحكم، لم تتجاوز نسبة الأراضي المزروعة أو المستصلحة للزراعة 1 % من أراضي الإمارة، وفي عام 1977، كانت المزارع والغابات المشجرة تشكل ما يقارب 5 % من مساحة الإمارات، وهذه الزيادة المذهلة هي نتيجة عملية تنموية بدأت عام 1971على يدي رائدها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه». كما أخبرنا أن الشيخ زايد، رحمه الله، حرص في خطط التنمية الزراعية على إحياء طريقة الري التقليدية بواسطة الأفلاج، المعروفة منذ القدم، فأمر بترميم هذه القنوات وتوسيع مداها ومد شبكتها على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وأمر في الوقت نفسه بالاستفادة من سبل الري الحديثة والتقنيات المتطوّرة لتحقيق النهضة الزراعية المنشودة، وتنفيذ المشروعات الكبرى، الأمر الذي قاد إلى استعادة مساحات شاسعة من أرض الإمارات رونقها وبهجتها من بعد جفاف. ومما ذكره أيضاً أنه «يستحيل على أي شخص أو جهة أن يعطي رقماً ولو تقديرياً لعدد الأشجار التي نثرها الشيخ زايد، رحمه الله، في كل مكان في أرجاء الإمارات وخارجها، لكن بعض التقديرات يشير إلى أن العدد يتراوح ما بين 100 و150 مليون شجرة، حيث كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لديه قناعة راسخة بأن الأشجار ليست أقل أهمية على صعيد البنى التحتية المدنية من الطرقات والأبنية».

والحقيقة أن شغف الشيخ زايد، رحمه الله، المبكر بالزراعة والتشجير رافقه حتى في زياراته الخارجية، وآية ذلك ما رواه السفير عبدالرضا عبدالله الخوري من أنه خلال زيارة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلى سويسرا، زمن عمله هناك سفيراً، كان حريصاً على زيارة الأرياف والاستفسار عن أشجارها ومدى ملاءمتها للزراعة في الإمارات، بل كان ينتقي بعضها ويأمر بإرسالها إلى الإمارات لغرسها.

ما سبق كان مقدمة للحديث عن الرجل الذي استعان به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لتحقيق حلمه في تخضير الإمارات وتنميتها زراعياً، وهو مستشاره الزراعي «عبدالحفيظ ياور خان اليوسفي»، الذي رافق ولازم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، لسنوات طويلة منذ ما قبل توليه حكم إمارة أبوظبي، ثم بقي وفياً ومخلصاً لأنجال زايد إلى أن انتقل إلى جوار ربه في 14 فبراير 2020 بسبب مرض اللوكيميا، فووري الثرى في العين على بعد خطوات من المنزل الذي أمر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، ببنائه خصيصاً له.

في مطلع الستينات، حينما كان الشيخ زايد، رحمه الله، حاكماً للمنطقة الشرقية من إمارة أبوظبي، كانت الحياة بسيطة والموارد قليلة والخبرات الزراعية نادرة والوسائل بدائية وسط أراضٍ قاحلة ومناخ قاس ومياه قليلة، غير أن كل هذه المعطيات لم تمنعه من أن يحلم بتحويل بلده إلى صنو للبلدان التي زارها لجهة التشجير والخضرة، متجاهلاً البريطانيين الذين حاولوا إقناعه بأن سعيه للتشجير عمل لا طائل من ورائه.

قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالاتصال بالوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي «سير هيو بوستيد»، طالباً منه البحث عن مهندس زراعي مؤهل لمساعدته في تحقيق حلمه. وبالفعل قام بوستيد بمخاطبة الدكتور جاك إير المستشار الزراعي في السفارة البريطانية في بيروت، الذي وقع اختياره على المهندس الزراعي الباكستاني عبدالحفيظ خان اليوسفي الذي كان للتو قد تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت وكان وقتها يستعد لبدء دراسته العليا من أجل نيل درجة الماجستير في الزراعة. تمّ عرض فكرة انتقاله للعمل في أبوظبي على الرجل، فوافق دون أي خلفية عن مكان عمله وإقامته والمهام المطلوبة منه. وهكذا وصل اليوسفي إلى أبوظبي سنة 1962 من بيروت على متن طائرة من طائرات شركة الخليج للطيران ((Gulf Aviation.

ولحسن الحظ، دشن اليوسفي في 11 مايو 2015 كتاباً من تأليفه باللغتين العربية والانجليزية تحت عنوان «خمسون عاماً في واحة العين، ذكريات عبدالحفيظ خان» من إصدار الأرشيف الوطني في أبوظبي. في هذا الكتاب، نجد تفاصيل المشاريع الزراعية الرائدة التي كان شاهداً عليها ومسؤولاً عنها من تلك التي أحدثت تحولاً شاملاً في الواحات الداخلية، خصوصاً العين التي نالت بسبب ذلك تقديراً دولياً بدخولها في قائمة اليونسكو للتراث العالمي باعتبارها مدينة الحدائق في الخليج العربي.

تضمن الكتاب حديثاً مستفيضاً عن واقع الحال في أبوظبي وقت هبوط الطائرة التي أقلت المؤلف من بيروت في 7 سبتمبر 1962 على أرض رملية بلا مدرج ولا مهبط، وعن لقائه الأول بالشيوخ، وسفره إلى البريمي في سيارة لاندروفر على طرق رملية وسط الصحراء القاحلة، وإقامته هناك في مبنى حديث يتيم، وعن لقائه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ورغبته بغرس أكبر عدد من الأشجار واهتمامه بالأفلاج، وكيف أنه اقترح على الشيخ زايد، رحمه الله، التركيز على زراعة النخيل، ما جعل الإمارات لاحقاً تفتخر بوجود 40 مليون نخلة على أراضيها، منها 15 مليون نخلة في إمارة أبوظبي وحدها. كما تحدث خان في كتابه عن الغربة التي شعر بها بادئ الأمر بسبب عدم إجادته العربية، وهو ما تبدد سريعاً بالمعاملة الكريمة التي حظي بها من الحاكم والشيوخ والمسؤولين في مواقع العمل، ثم تبدد أكثر بتعرفه على الكادر الطبي لمستشفى الواحة، قبل أن تزول غربته بتعلم العربية من خلال المخالطة وحضور المجالس، ما جعله يستغني نهائياً عن المترجم الفوري الذي خصصه له المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من أبناء جنوب الهند، وكان يدعى محمد زين.

كما تناول اليوسفي في كتابه جهود نشر الزراعة في الفترة من 1962 حتى 1966، فقال ما مفاده إن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أصر على تعليم الفلاحين كيف يزرعون الخضراوات التي لم يكن لها وجود في غذاء الناس آنذاك، مشيراً إلى أن شراء بذور الخضراوات وغيرها من النباتات كان يتم من الخارج، وتصل بعد ثلاثة أشهر من إرسال طلب شرائها، وموضحاً أنه قام بطلب شراء النباتات التي رغب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في زراعتها من بيروت فوصلت بحراً في 12 صندوقاً احتوت على نباتات جاهزة للزراعة، ثم تمّ البدء في توزيعها على المزارعين مع شرح كيفية زراعتها، والعناية بها، ناهيك عن إرشاد السكان إلى كيفية طبخ ثمارها وإقناعهم بفوائدها الصحية. وقد استعان اليوسفي في عملية الإقناع بالطبيب بات كيندي الذي كان السكان يثقون بكلامه، وذلك بناء على نصيحة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.

إلى ما سبق، تحدث اليوسفي عن بعض التحديات التي واجهته في بدايات عمله بسبب طبيعة المكان وضعف الإمكانات، ومنها تحدي المحافظة على الأشجار المزروعة على جانبي الطريق بعد زراعتها واشتداد عودها من الرياح والرمال المتحركة، وهو ما تم التغلب عليه بادئ الأمر بصناعة قفص خشبي حول كل شجرة، ولاحقاً باستخدام براميل الإسفلت الخالية، بعد نزع أغطيتها من الأعلى والأسفل وإحداث ثقوب جانبية بها، بديلاً للأقفاص الخشبية.

ولد اليوسفي في الهند البريطانية سنة 1937، وانتقل مع عائلته إلى كراتشي عام 1947 ليصبح مواطناً باكستانياً. وهكذا قدر له أن ينشأ في كراتشي ويدرس في مدارسها إلى أن أتم تعليمه النظامي. بعدها سافر إلى لبنان بقصد دراسة الزراعة في الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي عام 1961 تخرج من جامعته حاصلاً على بكالوريوس العلوم الزراعية، وبدأ على الفور رحلة لم تكتمل لنيل درجة الماجستير من الجامعة ذاتها، وكان السبب، كما أسلفنا، العرض الذي تلقاه للعمل في أبوظبي. وقتها اعتقد الرجل أن عقد عمله في أبوظبي لن يزيد على سنة واحدة سيعود بعدها لمواصلة دراسته العليا، لكن ما حدث هو أن توثقت علاقته بالشيخ زايد، رحمه الله، فطاب له المقام والاستقرار في أبوظبي مع أسرته.

وحرص اليوسفي على تنشئة أولاده السبعة في بيئة الإمارات العربية، وإلحاقهم بمدارسها النظامية قبل أن يسافروا على نفقة الدولة للدراسة في بريطانيا. فمثلا ابنه البكر طارق المولود في العين عام 1963 درس هندسة الطيران في بريطانيا، وبعد تخرجه حصل على بعثة للتدرب على الطيران الحربي مع دورات في هندسة الطيران في جامعة إمبري ريدل للطيران بفلوريدا. ثم اتجه للعمل في صيانة الطائرات، ثم دخل عالم المال والأعمال ليصبح اليوم رجل أعمال ناجحاً.

طباعة Email