التمدّد في الفراغ

ت + ت - الحجم الطبيعي

دخل الموظف الغاضب إلى مكتب مديره وأخبره أنّه إنْ لم تتم ترقيته أو زيادة راتبه فإنه سيبحث عن مكان آخر ليعمل به ويعرف قدراته الكبيرة، فما كان من المدير إلا أن ابتسم ابتسامة كبيرة وهو يشكر الموظف؛ لأنه أنقذه من موقف شديد الإحراج، فقد قررت الشركة إنهاء خدمات العديد من الموظفين، وهذا الموظف تحديداً من ضمنهم، الأمر الذي صدمه وأتاه من حيث لم يتوقع، فأخذ يترجّى المدير لكي يساعده فهو في حاجة ماسة للوظيفة وعليه الكثير من المديونيات للمصرف ونفقات إيجار السكن ومصروفات المنزل والسيارة وغيرها الكثير.

- لا أعدكَ بشيء، ولكنني سأحاول مع مجلس الإدارة!

ليلتها لم يَنَمْ الموظف من الهمّ والخوف من القادم المجهول، وانتظر طويلاً اليوم التالي حتى استدعاه المدير وأخبره أنه حاول باستماتة مع المجلس، وأنه نجح بعد محاولات مضنية الإبقاء عليه، ولكن بشرط أن يتم تخفيض راتبه، فصرخ الموظف: «موافق، موافق»!

لم تكن الشركة تنوي إقالة أحد، ولكن المدير عرف كيف «يُدَجِّن» هذا الموظف الغاضب، فقد كان آتياً لأمر مختلف تماماً، ثم خرج موافقاً و«فَرِحاً» بنقيض ما أتى مِن أجله، فاللعبة النفسية والذهنية التي أُدْخِل فيها سَلَبَتْ مِنه القدرة على التمييز السليم، وقامت بتغيير أولوياته دون أن ينتبه لكي يصل لتصوّر محدد بما يجب أن يهتم به، بل ويحمل شعور الاعتراف بالفضل لمن تلاعب به، دخل غاضباً يريد زيادة راتبه وخرج راضياً بتخفيضه!

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والغرب يتقمّص دور هذا المدير المخادِع، وكانت لُعبته الكبيرة تنقسم لثلاثة أقسام: مجتمعاته الغربية المتعلّمة التي تعرف الكثير وتطمح للكثير، والمعسكر الاشتراكي الذي تحوّل أو تم تحويله من حليف في الحرب إلى عدو بعدها، ثم بقية مجتمعات العالم، والتي كان يجمعها شيءٌ واحدٌ، فضلاً عن تأخرها العلمي والتقني ألا وهو: المحافَظة!

أما المعسكر الشرقي فقد تحرّكت الآلة الإعلامية الهادرة للغرب ولأمريكا تحديداً لتصوّر الاشتراكية كشيطان يتربّص بالعالم، ولا بد من التخلّص منه من أجل مستقبل آمن ومزدهر، وتم التركيز على الجيل الشاب في ذلك المعسكر وتسويق نمط الحياة الأمريكية له، والعزف كثيراً على وتر الحرّية والتطور ومداعبة مخيّلاتهم بأرض الفرص ومهاجمة كل ثوابت الثقافة الأوروبية الشرقية من فكر وأدب وفن وموسيقى، وتقديم بدائل «سَمِجة» ورديئة، لكنّها تتقمّص أنموذج العصرنة والتجديد، وفعلت هذه الأمور في أوصال المعسكر الاشتراكي ما لا تفعله البنادق والقنابل بعد أن تم تدجين شباب هذه الدول دون أن ينتبهوا!

الطرف الثاني كان مجتمعاتهم المتعلّمة والمثقفة بالمجمَل، والتي كان لا بد من تدجينها هي الأخرى وتسييرها بطريقة مغايرة، لذا فقد تم إغراقها حتى أُذنيها في عادة الإدمان الاستهلاكي والبحث دوماً عن الأحدث والأقوى والأجمل، وتم تقديس مصطلح «الفردانية» Individualism حتى أصبحت أهم مرتكزات نمط الحياة الغربية، حيث الأنانية المحضة والانكفاء على الذات وملذاتها، هذا الانكفاء الذي تدرّج ليصل إلى ما نراه حالياً من ضياع تام أصبح لا يعرف المرء خلاله ما هو الصواب وما هو الخطأ، وتحت شعار الحرية الفردية واحترام خصوصية الآخر تم تمرير كل العفن الأخلاقي والشذوذ السلوكي ليصبح حقاً «مُدافَعاً» عنه لمن شاء، وأصبح من لا يتقبّله و«يتغنّى» به علانية خطراً على العالم وعنصرياً متخفياً يتهدّد أمثال هذه الفئات المسالِمة!

الطرف الثالث هو بقية الدنيا، والتي يجمعها أصالة لم تتغيّر بعد، ومُحافَظة ما زالت وفية لقيمها وأخلاقياتها على اختلاف عقائدها، فكان لزاماً استخدام وسائل جديدة، إضافة للتكثيف الإعلامي القائم على الجرأة على الثوابت والعُري وتسويق نمط الحياة الغربي، فكان أفضل وسيلة هي الضرب من الداخل وصُنْع ببغاوات من أبناء تلك المجتمعات يدينون للغرب بالولاء والتبعية فكراً وأسلوباً، ومجرد نظرة لعالمنا العربي يختصر القصة، فكُتّاب لا يعرفون إلا الاستنقاص من الدين، ومقدمو برامج ديدنهم نشر «اللا انتماء» للهوية الأصيلة، بل ونشر الإلحاد بطريقة خفية تتصنّع تقديم العلم وإحالة كل خَلْقٍ عظيم لانتقاء الطبيعة، وروائيون بلغوا من الكبر عتياً يملؤون رواياتهم بالطرح الجنسي الذي يستحي منه إبليس!

ما يجري بالعالم أمرٌ خطير، والانهيار الحادث للقيم والأخلاق غير مسبوق، وهو انهيار مدعوم ومُتابَع بحماسة كبيرة من الغرب، و«التدجين» لا يتوقف، وتفريغ المجتمعات من هوياتها وأصالتها ودينها يجري على قدم وساق، ومتى فُرِّغَت منها جاء الدور لملئها بما يشاؤون هم، فلا يوجَد فراغ منسي، بل لا بد من تمدّد شيء آخر فيه!

طباعة Email