في البدء كان الحوار

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ بدء الخليقة كان الحوار أول وسيلة تواصل شفهي عرفت عندما تعارف سيدنا آدم على زوجته حواء. من هنا بدأت نقاشات البشرية واختلافاتها وسجالاتها إلى يومنا هذا. وفي جبل عرفات رمزية عظيمة، فمنه انطلق أول حوار بشري بين آدم وحواء، بين شخصين مختلفين بيولوجياً، ربما ليتذكر المرء أن الأساس في الحوار هو الاختلاف جسمانياً وذهنياً. وهذا ما يحدث حتى يومنا هذا. فالأصل أن نتوقع أن الآخر يختلف عنا من جهة مشاعره وانفعالاته وأحاسيسه تجاهنا وتجاه قضاياه.

والعاطفة ليست سبة، فعندما تأمل العلماء أدمغة النساء عبر تجربة شهيرة من جهاز الرنين المغناطيسي، وجدوا حركة كبيرة في فصي دماغ اللاتي شاركن في الدراسة التي عرضت عليهن مشاهد عاطفية. حيث تبين أن العاطفة قد أثرت على مناطق عدة من دماغ المرأة بمجرد مشاهدة تلك المشاهد، بعكس الرجال الذين كانت حركة الدماغ محدودة جداً عند مشاهدة مقاطع عاطفية. وهو ما يعطي مؤشراً على أن البشر، وتحديداً الجنسين، قد يتباينون مع الأحداث والحوارات من حولهم.

وعندما تتأمل حوارات البشر تجدها أصلاً لكل تعاون، وتعاقد، وتجارة، واتفاق، واختلاف، والأخطر هي أصل كل سوء فهم. فعندما يتحاور الإنسان ويستعجل بالردود تنكشف فجوة الحوار التي تنشأ من سوء الإنصات. ولذلك قالت العرب «أساء سمعاً فأساء إجابة». والمفارقة أن الحوار منه تنشأ المشكلة وبه تحل.

وتنبع مشكلتنا في الحوارات عندما نتوقع أن المشكلة في الآخرين وليست مرتبطة بأسلوبنا أو فوضويتنا. هنا تبدأ المعضلة. فالحوار مثل مباراة كرة قدم يمكن أن يفسد لاعب واحد المباراة بأسرها. ولذلك يستخدم حكام المباريات البطاقات الحمراء في محاولة لضبط ميادين التنافس. وكذلك الأمر في الحوار، لا بد أن يعي الفرد أنه بات يشكل إزعاجاً للجميع بكثرة مقاطعاته غير المبررة أو احتكاره للحديث. فالشعور بالمسؤولية أهم من العقوبة لأنه رادع ووازع داخلي.

وروعة الحوار أنه يكشف ضحالتنا بين الناس. فكم من جاهل ستره صمته حتى قرر أن يكشف لنا حقيقته بحوار تافه أو استعراض كلامي عقيم. ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري «من رأيتَه مجيباً عن كل ما سئل، ومعبراً عن كلِّ ما شهد وذاكراً كلَّ ما علم، فاستدلّ بذلك على جهله». وقيل كذلك «لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما».

ومن عجائب الحوار أنه يخرجنا من المآزق المحرجة. فكم من حس دعابة انتشلت صاحبها من سؤال محرج. وأتذكر قصة لطيفة ذكرها عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي في كتابه «خوارق اللاشعور» وهي لأب وبخ طفله ذات يوم بسبب تعثره الدراسي فقال له: إن «نابليون عندما كان في مثل سنك نجح إلى الصف الخامس بينما أنت الآن في الصف الثاني من المدرسة». فأجابه ابنه ببديهة «ولكن نابليون يا أبت عندما كان في مثل سنك أصبح إمبراطوراً». هذه القصة رمزية لكنها تكشف لنا كيف يمكن أن نخرج من أي حوار محرج.

واللافت أن الحوار ما زال مستمراً مع الإنسان منذ بدء الخليقة. فمن خلاله نستطيع أن نفهم حجمنا الحقيقي. فكم من شخص عرف مقدار علمه حينما جالس الكبار علماً وأدباً وخلقاً. وهنا مسألة خطيرة، تنشأ عندما يمضي الإنسان جل حياته مع أناس أدنى منه علماً فيفقد مع مرور الوقت «عامل التحدي». فالتحدي يبدأ مع محاججة حوارية يخسرها المتكلم أمام خصم واعٍ. ويمتاز هذا الحوار بأنه يحفز المرء لمزيد من القراءة والتعلم.

كان الحوار أصل كل شيء، بعده بدأنا نفهم ما يجري حولنا في هذا الكون وفي شتى أرجاء المعمورة. ولمن كان يعتقد أن الإعلام التقليدي والبرامج الحوارية قد خبا نجمها، نذكره بأن الجيل الجديد قد حمل لواء «البودكاست» (التدوين الصوتي) الذي بات ينتشر انتشاراً مذهلاً، وهو ما ينم عن حاجة فطرية تدفع الأجيال المتعاقبة للبحث عن حوار يروي ظمأ المعرفة.

 

 

طباعة Email