فهم التراث معرفة للمستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

نظرة عابرة وسريعة حول الموروث، تعطينا فكرة واضحة وجلية عن المستقبل، لأن التراث ينطلق من العقل البشري ويبدأ منه ولذا تعتبر الحياة الاجتماعية بعموميتها وعلى اختلاف أنواعها من مصادر التراث، ورغم تعدد تعاريف التراث وعدم اتفاق العلماء على تعريف واحد، إلا أن هناك شبه اتفاق على أن التراث يشمل كل ما تركه لنا الآباء والأجداد من معلومات سواء أكانت من خلال كتب أو في أشكال ورموز كالمباني والقلاع والحصون أو في النحت والرسم أو غيرها من المجالات.

في كل حضارة وأمة وعلى امتداد تاريخها نجد من ينشغل بحفظ المعلومات ويدونها ليحفظها للأجيال التالية، وكما هو معروف فإن البناء الحضاري لم يكن ليتم لولا عملية دقيقة في نقل المعارف والمبتكرات من جيل إلى آخر، وهذه واحدة من أهم خصال وفوائد التراث.

وهناك أهمية أخرى تتعلق بالهوية والمحافظة على الثقافة وحتى لا يحدث تفكك وخلل في الروابط الاجتماعية للمجتمع، وكما يقال، فإن التراث يعد رابطاً قوياً بين الماضي والحاضر والمستقبل. وعلى ضوء ذلك ستجد أن هناك رابطاً بين التراث وبين الثقافة، بل يكاد أحدهم يكون جزءاً من الآخر، فإذا فهمنا أن الثقافة هي: مجموعة العادات والتقاليد والقيم للمجتمع. وهناك من يقول إنها معرفة يستمدها الأشخاص من خلال تعاملهم مع مجتمعات مختلفة، وهي أيضاً إلمام بجميع المعارف والعلوم والقواعد الكونية. عندها ندرك أنه لا يمكن أن تتكون الثقافة دون مخزون من الماضي مما تركه السابقون من تركة معرفية وعادات وتعاملات وأيضاً مبانٍ وصروح ومخترعات ومبتكرات، وإن أمعنا النظر فإن هذه جميعها مكونات الثقافة وجزء أساسي منها. وقد اعتبر عالم التراث والفولكلور الأمريكي هيرسكو فيتس: أن التراث مرادف للثقافة. وعلى الجانب الآخر ستجد أن التراث يحمل في طياته عمقاً كبيراً، حتى أن الدارسين والمختصين من العلماء وضعوا في سياق الإلمام به عدة تعاريف وانطلقوا في عدة اتجاهات مختلفة وهذا يوضح اتساع مفهوم التراث وعمقه في الحياة البشرية بصفة عامة، البعض يعتبر هذا الاتساع طبيعياً كون التراث نقلاً تاماً وواضحاً لحياة كاملة لزمن ماضٍ.

ومن هنا لا يمكن فصل التراث عن وقع الحياة المعاصرة، فكيف يمكن تجريد الإنسان من خبراته ومعارفه وتجاربه، من المهم دوماً استحضار كل تجربة حدثت ومعرفة الإيجابيات لتدعيمها ومعرفة السلبيات لتجنبها وهذه العملية لن تتم دون استحضار لما تم في الماضي وهو ما يعني ببساطة متناهية اعترافاً بالتراث وقوته وسطوته وفائدته على الحاضر وانعكاسه الواضح على مستقبل البشرية.

والحقيقة البديهية أن جميع المخترعات والمبتكرات التي تمت وباتت على أرض الواقع لم تكن لتحدث بكل هذا الوهج دون تلاحم واتصال بين الماضي وما يختزله من معلومات تراثية وبين الحاضر ومنجزاته التي تذهب بنا نحو المستقبل.

 

طباعة Email