شخصيات تحت المجهر

عباس حداوي.. مؤسس الحركة الكشفية في السعودية

ت + ت - الحجم الطبيعي

المعروف أن الحركة الكشفية وأهدافها وبرامجها تأسست على يد الضابط البريطاني روبرت سميث بادن باول (ت: 1941) عام 1910، فانتشرت في أنحاء العالم كمنهج يستهدف تربية الشباب وتوجيههم وتأهيلهم وغرس الثقة وحب الخير في نفوسهم ليكونوا أنقياء وأقوياء ومحبين لأوطانهم ومجتمعاتهم.

ويعتبر لبنان أول بلد عربي تأسست فيه الحركة الكشفية وذلك في عام 1912، على يد رجل الأعمال الشيخ محمد توفيق الهبري الذي أسس مدرسة إسلامية في بيروت حملت اسم «دار العلوم» في عام 1327 للهجرة وولى قيادتها لمسلم هندي اسمه «محمد عبد الجبار خيري». وفي عام 1331 للهجرة سافر الأخير إلى أوروبا على نفقة المدرسة للتخصص في مجال التربية والتعليم، فاسترعى انتباهه هناك نشأة الحركة الكشفية، فاستهوته وأعجب بتعاليمها وأهدافها النبيلة، ما جعله بعد عودته يؤسس أول فرقة كشفية في لبنان سنة 1912 تحت اسم الكشاف العثماني، وهو الاسم الذي تغير إلى الكشاف السوري (كانت سوريا تشكل بلداً واحداً مع لبنان آنذاك)، ثم إلى الكشاف المسلم، واتخذ من جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت مقراً له. وفي عام 1928 انفصلت كشافة سوريا عن لبنان. وتعتبر كشافة لبنان الأولى عربياً لجهة نيل الاعتراف الدولي والمشاركة في المؤتمر الكشفي العالمي (فيينا 1947).

أما على صعيد دول الخليج العربية، فقد كانت البحرين أول بلد خليجي تؤسس فيه فرقة كشفية، وذلك في عام 1927 حينما أنشت فرقة كشفية بالمدرسة الغربية (مدرسة أبوبكر الصديق حالياً) على يد المدرسين العرب، أعقبتها فرقة مماثلة بمدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، وعرفت سلطنة عمان الكشافة عام 1932 حينما تأسست أول فرقة كشفية بها في المدرسة السلطانية بمسقط، قبل أن تعرف حركة كشفية واسعة ومنظمة وتنال الاعتراف الدولي في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

أما الكويت فقد عرفت العمل الكشفي عام 1936 من خلال المدرسة المباركية التي احتضت أول فرقة كشفية من 12 كشافاً كان بينهم الأميران الراحلان الشيخ جابر الأحمد الصباح والشيخ سعد العبدالله السالم الصباح وبعض إخوانهما الشيوخ، تلت الكويت المملكة العربية السعودية التي عرفت الكشافة من خلال مدرسة تحضير البعثات والمعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة، وذلك في مطلع أربعينيات القرن العشرين، علماً أن الملك عبد العزيز، رحمه الله، كان قد أعجب بفكرة الكشافة وأهدافها وطلب دراسة إمكانية نشرها منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين. وفي عام 1961 أصدر الملك سعود بن عبد العزيز مرسوماً بتأسيس أول جمعية كشفية سعودية، وكان أول رؤسائها هو الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.

وقد نالت الجمعية الاعتراف الدولي عام 1963.وبالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن بعض إماراتها، وتحديداً الشارقة ورأس الخيمة عرفت الكشافة منذ عام 1957، لكن جمعيتها الكشفية على المستوى الاتحادي لم تظهر إلا بعد قيام الدولة الاتحادية، وتحديداً في عام 1972 ثم نالت الاعتراف الدولي عام 1977. ما سبق كان توطئة للحديث عن أحد رواد العمل الكشفي في السعودية، ممن عشق الحركة الكشفية وآمن بأهدافها منذ صباه وشبابه، فقضى عمراً يعيش في دهاليزها ويتابع أخبارها ويشارك في مؤتمراتها ويمنحها جل جهده وطاقته واهتمامه حتى استحق لقب «بادن باول السعودية» على غرار «بادن باول العرب»، وهو اللقب الذي أطلق على المصري عزيز عثمان بكير الأمين العام السابق لمنظمة الكشافة العرب. المقصود بهذا الكلام هو الرائد عباس عبدالله عباس حداوي ابن مكة المكرمة الذي لا يعد رمزاً كشفياً من رموز بلاده فحسب وإنما أيضاً رمزاً من رموزها الرياضية. ولمعرفة جهوده في مجال الرياضة والشباب نستعين بما كتبته صحيفة الرياض (3/‏‏11/‏‏2006) عنه وفيه أن حداوي أشرف على تدريب فريق الكرة بالمدرسة النموذجية للأمراء في الطائف في أواخر أربعينيات القرن العشرين، وساهم في تأسيس نادي الكواكب الرياضي بالطائف، بل كان ينظم ويشرف على مبارياته مع فرق البوارج البريطانية الزائرة لميناء جدة، وساهم في إقامة دورات في تحكيم كرة القدم خلال عطلات المدارس الصيفية في الخمسينيات، والتي لقيت اهتمام وزارة المعارف إبان حمل الملك الراحل فهد بن عبد العزيز لحقيبتها، كما ساهم في إنشاء العديد من اللجان والإدارات الرياضية وإدارتها من خلال عضويته فيها، مع تبنيه للكثير من الأفكار والابتكارات التطويرية للمجال الرياضي بصفة عامة.

ومما يذكر له أيضاً جهوده في أحداث ومناسبات مهمة، بينها : افتتاح معهد التربية الرياضية المتوسط في الرياض بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من معلمي التربية البدنية السعوديين، برامج إرسال البعثات الدراسية الرياضية والفنية إلى الخارج لنيل درجتي البكالوريوس والماجستير. ولد عباس حداوي في مكة المكرمة عام 1346 للهجرة، ودرس في مدارس مكة والطائف ثم التحق بمدرسة تحضير البعثات التي أسسها الملك عبد العزيز سنة 1937 في مكة لتدريس الطلبة المرحلة الثانوية وإعدادهم للسفر إلى الخارج (تحديداً مصر) لنيل الشهادة الجامعية. وإبان دراسته في هذه المدرسة التحق حداوي بثاني وحدة كشفية والتي أسسها المربي عمر عبد الجبار (ت: 1971). بعد تخرجه من مدرسة تحضير البعثات تم ابتعاثه إلى مصر، فدرس هناك في المعهد العالي للتربية الرياضية، وانخرط مع جوالة المعهد فتشرب المفاهيم والأهداف الكشفية بشغف.

وحينما عاد إلى بلاده، تم تعيينه موجهاً للتربية الكشفية بوزارة المعارف السعودية، ثم تم تكليفه بالإشراف على إدارة التربية الكشفية، فبقي ممسكاً بهذه الوظيفة على مدى 22 عاماً، وفي أعقاب تأسيس أول جمعية كشفية سعودية عام 1961، ونيلها الاعتراف الدولي عام 1963 خلال مشاركتها في الجامبوري الكشفي العالمي الحادي عشر الذي أقيم في اليونان حينذاك وافتتحه ولي عهد اليونان الأمير قسطنطين، تمّ تكليف حداوي ليكون، إضافة إلى عمله، مفوضاً دولياً لجمعية الكشافة العربية السعودية، حيث مارس هذه الوظيفة مدة 17 عاماً بدءاً من عام 1963. إلى ذلك تمتع حداوي بعضوية اللجنة الكشفية العربية لمدة 8 سنوات، حيث انتخب عضواً فيها لأول مرة لمدة 4 سنوات خلال المؤتمر الكشفي العربي السابع بطرابلس الغرب عام 1966، وانتخب عضواً للمرة الثانية ولمدة 4 سنوات أيضاً أثناء المؤتمر الكشفي العربي الحادي عشر في لبنان عام 1974. وبحكم عمله ومناصبه الكشفية اختير قائداً عاماً للعديد من التجمعات الكشفية لجوالة العالم العربي والإسلامي.

ويفتخر حداوي بشهادة المغفور له الملك فيصل، حيث قام بسؤاله، عند افتتاحه التجمع الكشفي الثالث لجوالة العالم العربي والإسلامي بمكة سنة 1968 قائلاً: «طال عمرك لعلكم راضون عن الكشافة؟»، فرد الملك بـ «يكفيكم يا بني فخراً أنه حضر عندكم كشافة من أكثر من 25 دولة إسلامية بينما في رابطة العالم الإسلامي لم يحضر هذا العدد». إلى ما سبق، تولى حداوي قيادة البعثات الكشفية السعودية إلى مخيمات الكشافة العالمية والمؤتمرات الكشفية الدولية والتي نجح من خلالها إعطاء انطباع طيب عن الحركة الكشفية السعودية وجهودها، بفضل ما كان يتمتع به من حضور وبُعد نظر، وقوة إرادة، وحس تنظيمي.

فقد قاد البعثة الكشفية السعودية إلى عدة مخيمات ومؤتمرات متخصصة، ومنها: المخيم العالمي الحادي عشر في اليونان عام 1963، والمؤتمر الكشفي العالمي العشرين في المكسيك عام 1965، والمؤتمر الكشفي العالمي الثالث والعشرين في طوكيو عام 1971. علاوة على قيادته لكشافة بلاده في المخيمات الكشفية العربية، مثل المخيم الكشفي العربي بالمغرب عام 1962 والذي افتتحه العاهل المغربي الراحل الملك محمد الخامس، حيث كانت تلك أول مشاركة للمملكة بعد حصول كشافتها على عضوية المنظمة الكشفية العربية، وفيه قاد حداوي وفداً رفيعاً مكوناً من القيادات الكشفية السعودية.

حصل حداوي على العديد من الجوائز خلال مسيرته الكشفية الطويلة تقديراً واعترافاً بجهوده في المجال الكشفي على المستويات السعودية والخليجية والعربية والإسلامية والعالمية. كتب عنه مبارك عوض الدوسري في صحيفة الجزيرة السعودية (14/‏‏5/‏‏2021) ما مفاده أن حداوي لا يترك مناسبة إلا ويتحدث فيها عن مفهومه للكشافة وأنها «إعداد المواطن الصالح لنفسه ومجتمعه». آخر وظيفة شغلها حداوي هو منصب مدير عام رعاية الشباب بوزارة المعارف، الذي تقاعد بعده عن العمل. وتقديراً لجهوده فقد تم تكريمه منتصف سنة 2005 بجدة من قبل الأمير سلطان بن فهد بن عبد العزيز الرئيس العام لرعاية الشباب حينذاك بوسام، وفاءً وعرفاناً وشكراً لجهوده المباركة في خدمة شباب الوطن وتطوير الحركة الرياضية والكشفية السعودية.

طباعة Email