لثقافة متنوعة تقودنا للنجاح

ت + ت - الحجم الطبيعي

إن التنوع الثقافي يعتبر مخزوناً للإنسانية يثري الحياة ويجعلها أكثر قابلية للتطور، فتعدد الثقافات، تماماً كقوس قزح الذي يبهرنا بتعدد ألوانه. التنوع الثقافي يجب أن ننظر له وفق هذه الآلية وليس كمهدد لثقافتنا وإرثنا، بل إن حماية الثقافات الأخرى يجب أن تكون وظيفة بالغة الأهمية نسعى ونعمل وفقها.

لم تعد ثقافة محددة هي المهددة أو هي التي تواجه هجوماً لإلغاء وجودها، بل إن التنوع الثقافي نفسه بات محاصراً ويعاني من تهديدات جسيمة أمام مد الذاتية والأحادية التي تريد رؤية العالم بلون واحد فقط، أو سماع نغمة واحدة دون سواها.

وليست هذه المعضلة بل تكمن المشكلة بحجمها الحقيقي إن هذه الفئات غذت مجتمعاتها بثقافة معادية للتنوع وللآخر، في محاولة لتبقى وجهات نظرها ومفاهيمها هي السائدة والمسيطرة على العقول، وهذه العقلية موجودة منذ حقب زمنية طويلة وليست في العصر الراهن وحسب، في عام 1952 كتب عالم الانثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس رسالة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة والتي تعرف اختصار «اليونسكو» رسالة قال فيها: «إن حماية التنوع الثقافي يجب ألا تقتصر على المحافظة على الوضع الراهن وإنما التنوع نفسه هو الذي يجب إنقاذه، وليس الحالة الخارجية الظاهرة التي أسبغتها كل فترة على ذلك التنوع».

وهو يشير إلى أن حماية التنوع الثقافي تتمثل في تأمين استمراره وبقائه. نحن أمام تحدٍ كبير، فحمايتنا للتنوع الثقافي، الذي وجد منذ بداية البشرية على هذه الأرض، هو في الحقيقة حماية لثقافتنا، وحرصنا على بقاء ألوان الطيف الثقافي في الوجود الإنساني يعني بقاء إرثنا وأصالتنا كقيم نتغنى بها ونبشر بها العالم بفخر واعتزاز، لا يوجد صعود للثقافات أو هبوط لأخرى بل يوجد ثقافات تم تحصينها وتقويتها وتغذيتها بالثقة والديمومة وقابلية الاستمرار بتفاعلها والتقاها مع الآخر، وهذا الذي سيجعل لها مكاناً في عالم اليوم.

أما الحماية المبالغ فيها ومحاولة القيام بمهام هذه الثقافة ووضع قيم حديثة ليست جزءاً منها فهذا يمرضها ويفلسها ويجعلها واهنة في مواجهة أي تحدٍ. نحمي ثقافتنا إذا قررنا حماية الثقافات الأخرى، بل أننا نجعل خطوتنا في حماية التنوع الثقافي جزءاً من ثقافتنا المسالمة المتصالحة الواثقة من إمكانياتها وقيمها وصمودها أمام أي تقلبات أو صراعات أو غيرها.

لم يعد هناك من تشكيك في وجود تنوع واختلاف إنساني نتج من تراكمات وخبرات متنوعة، ونحتاج اليوم لتحويل هذا الاختلاف لقوة تجمع وليست كما كانت دوماً تفعل في التفريق والتنافر والتخاصم بل والحروب، وسفك الدماء، نريد أن يكون التنوع الثقافي رافداً نخبوياً يجمع الإنسانية ويوجه مقدراتها وخبراتها لخدمة كل البشرية التي نتشارك جميعاً في الحياة على هذه الأرض، وللجميع التفكير بحرية وإبداع كما يحلو لهم دون ضغوط أو تهديدات.

قالت المديرة العامة لليونسكو، الدكتورة ايرينا بوكوفا: «يشكل التنوع الثقافي ذخراً هائلاً للبشرية ومورداً كامناً فيها ونابعاً من صميمها، وعلى هذا النحو ينبغي فهمه والاعتراف به، فجميع الثقافات متساوية على صعيد الكرامة والحقوق، فعالمنا بالأساس عبارة عن توليفة من الثقافات المتزامنة التي تتشكل الإنسانية بفضل تعايشها وتعدديتها وتقتضي الضرورة العاجلة والملحة وضع هذه الباقة المتفتحة من الثقافات في صلب استجابتنا العالمية لمسيرة الزمن المتواصلة التي تعرف باسم التنمية».

وغني عن القول إنه كلما تسلحنا بالتسامح والثقة في إرثنا الحضاري وقوة حجتنا وبلاغتها وفعاليتها الإنسانية وأثرها في الأمم والحضارات على امتداد التاريخ، فإننا نكسب أكثر وننمو ونتطور. والمهم في هذا السياق أن نخرج فعلاً من عنق الزجاجة ومن الضيق الذي يحاول البعض حبسنا وتقييد ثقافتنا وسطه وهو يعتقد أنه يحميها.

طباعة Email