العالقون في ذكرياتهم الحزينة

ت + ت - الحجم الطبيعي

اعتدت الجلوس مع أشخاص لديهم استعداد كبير للعيش في ذكرياتهم، عالقون في مواقف حصلت معهم لا يمكنهم نسيانها. يدهشني هذا الكم من الناس الذين ما زالوا يعيشون في قوقعة الماضي المؤلم ولا يريدون مغادرته، أو الابتعاد عنه، ذلك الماضي المحمل بالأسى والحزن والكآبة وفقدان الأحبة، فتجدهم يلبسون الحزن والدموع، ونظراتهم تائهة في كل الزوايا والأماكن والشوارع.

صديقات كثيرات قررن عدم نسيان ماضٍ أليم تعرضن له، وعلى الرغم من مرور سنوات لا يردن الفكاك من الماضي أو حتى أخذ استراحة، فهن لا يردن النسيان أو الخروج من دوامة الحزن، وكأن الفرح جريمة عليهن أو السعادة شيء لا يليق بهن، يذهلني هذا الكم الهائل من البؤس والأسى الذي نختاره بأيدينا ونقرره ونحكم ربطه على عقولنا وحاضرنا ومستقبلنا. والمشكلة تكمن في أنه لا يمكنك أن تنطلق في حياتك ولا أن تعيشها باستقرار ولا أن تفكر في حاضرك وتبني مستقبلك ولا أن تكون أسرة على أسس سليمة وأنت وفق هذه الحالة المزاجية المرضية من الاكتئاب واليأس وعدم الرغبة في الحياة، فهذه الحالة ستحد من أفكارك ومن أي عملية تطوير ذهني، ستجد أنك إذا ما استمررت على هذه الحالة لا تستحق الحياة بعد وفاة من تحب أو بعد صدمة عاطفية أو فشل مؤلم في علاقة أو خسارة مال أو فقدان شخص عزيز محب أو غيرها.

وفقاً لورقة بحثية نشرها باحثون في فبراير 2020 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، فإن الشعور بالحنين للماضي يرتبط بالمشاعر السلبية التي قد تسبب الندم والاكتئاب، وبالتالي قد يؤدي ارتباطنا بالماضي إلى شعور بالعزلة.

ومع الأسف في معظم عالمنا العربي لا توجد جهات طبية نفسية متخصصة يمكن أن تقدم علاجات سلوكية ومعرفية ونفسية لمثل هؤلاء، وإذا وجدت فهي شحيحة ودورها متواضع، ولا يتواكب مع النمو السكاني وتزايد المشاكل النفسية.

ولكن هذا لا يبرر أن نظل عالقين تحت عباءة الألم والحزن، فذلك لن يجلب لنا سوى الذكريات المرتبطة بالحنين، وسنشعر بالانزعاج والإحباط، لذلك يمكننا تغيير طريقة تفكيرنا بالحزن واعتباره بمثابة محطات ودروس في حياتنا، وأن القادم أفضل وأجمل.

 

طباعة Email