حدود الحرب بالوكالة

ت + ت - الحجم الطبيعي

عند تأمل ردود أفعاله على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بنظرة بانورامية شاملة، يثور لدينا اعتقاد بأن عالم الغرب بشقيه الأشهر، الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لم يتهيأ مسبقاً، ولا كانت لديه خطط معلبة، لا سيما على الصعد التعبوية العسكرية الميدانية، للتعامل مع أمر من هذا القبيل. هذا يعني أن موسكو تمكنت إلى حد ملموس، من تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية في هذا الإطار.

لا يتعارض هذا التصور مع قول القائلين إن القيادة الروسية، ربما تكون بدورها أخطأت الحسابات، وخصوصاً لجهة المدة الزمنية الكفيلة بإنجاز أهدافها مما تسميه حتى الآن بـ «العملية الخاصة».. ذلك لأن خطأً كهذا يندرج في نطاق القاعدة المعلومة للكافة، وهي أن الحرب تبدأ في وقت معلوم، لكن أحداً لا يستطيع الجزم بموعد نهايتها، ولا بالكيفية التي تضع عليها أو عندها أوزارها.

نظرياً، اصطف الغرب عاجلاً خلف كييف، ولم يتردد في التنديد بموسكو، والتشهير بسلوكها «المخالف للشرائع والأعراف الحقوقية والسياسية والإنسانية»، المستقرة في تعاملات الأمم المتحضرة.. وبين يدي هذه الديباجة، لم يعبأ بالشروحات والحيثيات، الأمنية بالذات، التي دفعت بها روسيا تبريراً للحرب.

كان هذا الموقف الغربي، وما زال، يحظى بالإجماع والصلابة.. بيد أن الإسناد العملي للطرف الأوكراني، لم يحظ بالسوية ذاتها من الانضباط. حقاً، فتح الغرب أبواب خزائنه المالية والاقتصادية والدبلوماسية والنفسية الدعائية والإنسانية والتسليحية، لدعم هذا الطرف وتقوية عزيمته وصموده. وفي هذا يصح القول إن موسكو، لم تشهد في تاريخها مثيلاً للعقوبات والضغوطات وعمليات التنمر، التي مورست عليها غربياً خلال الشهور السبعة الماضية.. ومع ذلك، ظل هذا الدعم قلقاً، ومحفوفاً ومحاطاً بشيء من المحاذير والتحفظات. وفي نقاط وتفصيلات بعينها، تجلت بعض المواقف الخلافية، بالنظر إلى تباين المصالح القومية داخل دائرة واسعة جداً، تضم أكثر من ثلاثين دولة.

بصيغة أخرى، أظهر الحلفاء الغربيون في وجه موسكو غضبة مضرية إنشائية جبارة.. لكنهم أظهروا بالتزامن والتوازي، أن لغضبتهم سقوفاً، حرصوا جميعاً بمستويات متباينة، على عدم تجاوزها وانفلاتها، ويتعلق أبرزها بضبط النفس، في ما يخص استخدام الأدوات العسكرية. ولنا أن نلحظ في هذا السياق، كيف اجتهدت القيادة الأوكرانية ملياً في محاولة لكسر هذه السقوف، ومن ذلك بلا حصر، حث الحلفاء والمناصرين على تزويدها بأنواع معينة من الأسلحة الهجومية، ومحاولة توسيع جغرافية الحرب، باستدراج أطراف إقليمية أخرى «ضد الغزاة». غير أن هذه الجهود ظلت بلا جدوى، حتى إن الولايات المتحدة، بادرت في الشهر الماضي بإنذار موسكو، بأنها ستجري اختباراً لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات. ولم تجد حرجاً في تعليل هذه الخطوة غير المعتادة، بـ «تجنب التصعيد مع روسيا، في غمرة الحرب الجارية».

يعتقد بعض الخبثاء، أن السياسات الغربية الأوكرانية، أصبحت تحاور في مربع استنزاف القوة الروسية، مع الاستنكاف تماماً عن الانخراط في، أو الانجرار إلى، ميدان القتال الفعلي. وكأننا والحال كذلك، إزاء نموذج للاشتباك الغربي مع القطب الروسي، يتولى كبره ويدفع أغلى أثمانه الأوكرانيون بالوكالة. ويبدو أن موسكو على دراية بهذا المشهد، بل وثمة ما يوحي بأنها ربما أعدت عدتها مسبقاً للتعامل معه.. فكل سلوك عقابي بحقها، تكاد تواجهه سريعاً بسلوك مضاد. وهناك إجراءات روسية، تنم عن الرغبة في إشراك الغرب في دفع ثمن سياساته، وعدم الاكتفاء بتغريم الوكيل.. فباستخدامها المحسوب، والعالم على أبواب الشتاء، لأوراقها القوية في مجال الطاقة، توشك موسكو أن تصل بضرباتها الموجعة، إلى كل بيت بالجوار الأوروبي. وربما ألحقت بخطوة كهذه صدوعاً بين الحلفاء، باعتبار أن الأذى المترتب على غلق أنابيب الغاز والنفط، لن يطالهم جميعاً بالقدر ذاته.

على ذكر المشاحنة الكبرى بشأن إمدادات الطاقة، من اللافت أن الحلفاء الغربيين اتخذوا موقفاً مثيراً للتعجب.. فهم أرادوا تحديد سقف لأسعار الطاقة، بغية «تعجيز موسكو عن تمويل الحرب»، لكنهم أنكروا عليها حبس الطاقة عنهم عموماً، واستخدامها كسلاح في الحرب! هذه مفارقة لا تخلو من دلالة على الارتباك. ويتصل وثيقاً بالحسابات الروسية المضادة، السعي إلى إفشال عولمة العقوبات الغربية، بتعزيز أواصر الصداقة والتساند مع شركاء أقوياء في الساحة الدولية، ممن ثبت تحفظهم إزاء عزل موسكو سياسياً، أو كسرها مالياً واقتصادياً، كالصين والهند.

من تعقيدات الحرب الأوكرانية، تخطي آثارها وتوابعها السلبية لموضعها الأساسي. وعليه، فإن مفهوم الحرب بالوكالة، يسير في هذا النموذج على حبل رقيق مشدود، قابل للانقطاع في لحظة أو أخرى. وهذا يقتضي توقف البعض عن أساليب المناورة، وتعمد إطالة أمد الحرب، اعتماداً على تجارب مضت ومضى زمنها.

طباعة Email