نحن نعاني من سوء الفهم

ت + ت - الحجم الطبيعي

سوء التفاهم، واقع نعيشه يومياً، يحدث في كل تفاصيل حياتنا، فقد تجده داخل الأسرة، وفي مقر عملك، وقد ينشأ بين متحابين، أو بين زوجين، أو بين أب وابنه، أو بين أم وابنتها، قد ينشأ بين زملاء العمل الواحد، وقد تجده ماثلاً حتى بين الدول والمجتمعات، بمعنى أن سوء الفهم والتفاهم واقع لا مناص عنه ولا منه، والبعض من المشاكل الكبيرة والأكثر تعقيداً هو ناتج عن سوء فهم صغير نما وكبر وتشعب حتى وصل لمرحلة المعضلة الجسيمة التي يصعب حلها.

وفي هذا السياق هناك جانبان، سوء الفهم، وسوء التفاهم، وإن كانت المفردتان متشابهتين إلا أن بينهما فرقاً جوهرياً.. سوء الفهم قد يكون أقل ضرراً من سوء التفاهم، لماذا؟ لأن سوء الفهم يمس الطرف الواحد، عندما توجه لك كلمات تفهمها بشكل خاطئ، أما سوء التفاهم فهو يمس اثنين أو أكثر، حيث تتعثر بينهما لغة الحوار، وكل واحد منهما يرتكب خطأ بحق الآخر بسبب فهمه الخاطئ لكلماته، ومع هذا الخطأ ينمو فهم أيضاً خاطئ تماماً.

يقال بأن سوء الفهم أو التفاهم ينتج بسبب اللغة واختلاف مفرداتها، والحقيقة نحن نعيش الكثير من القصص التي هيمن عليها سوء الفهم بشكل واضح، وكانت اللغة واحدة وغير متباينة، وهذا يجعلنا نوسع الأسباب ونبحث عن المزيد من الجوانب، ونسأل لماذا لا تكون الثقافة وتحديداً المعرفة لها دور؟ بمعنى أنك قد تتحدث عن موضوع ما، لكن من يصغي ويستمع لا تسعفه ثقافته ولا معارفه لفهم هذا الموضوع، أو ليس لديه معلومات عنه، فيعتقد لوهلة بأن كلماتك لا قيمة لها أو غير صحيحة أو غير دقيقة، وهناك سوء فهم ينتج عن غياب التحديث على المعلومة، مثل أن تتكلم عن علاج لمرض ما، فيقوم أحدهم ويرد عليك بأن جميع الأدوية لا تجدي، وكل ما يقال أكاذيب واستغلال مقيت لحاجة المرضى، هو يقول هذه الكلمات لأنه حضر مؤتمراً طبياً سمع خلاله كلمات كثيرة لعدد من العلماء يقولون بأنه لا علاج، وهناك اتفاق على هذه الحقيقة، لكن مضى على ذلك المؤتمر خمسة أعوام والعالم سريع التطور والتقدم، وتم اكتشاف علاجات جديدة، لكنه لم يعلم ولم يتابع الموضوع، هنا يصطدم معك وبقوة.

هناك من يفسر الخلل في سوء التفاهم، إلى جوانب أكثر عمقاً وأكثر تخصصية، فعندما يقال بأن اللغة تسبب سوء التفاهم، وهو موجود أيضاً بين من يتحدث اللغة نفسها، نسمع البعض من العلماء يوضحون بأن التحدث بلغة واحدة لا يعفي ولا يجنبك مطب سوء التفاهم، لأن نغمات وطبقات صوتك لها أثر في نشوء هذا السوء.

ودون الدخول في تفاصيل فلسفية، هناك من يقول إن سوء التفاهم ينشأ أصلاً من عدم التواصل الجيد، والتواصل والاتصال الجيد موضوع آخر أكثر حيوية ولا يقل أهمية، لأننا نعاني أيضاً منه بشكل أو آخر، والخلل في نشوء الاتصال الجيد المتين يؤدي إلى نتيجة حتمية وبديهية وهو سوء للفهم.

حقيقة نشوء سوء التفاهم ماثلة ولا يمكن تغطيتها وتبقى الأسباب متعددة وكثيرة، منها تلك الأسباب اللغوية وهناك الأسباب النفسية والمعرفية والعلمية والثقافية، ويبقى غياب المعلومة، سواء بسبب عدم نجاحك في إيصالها للمستمع أو بسبب عدم فهم المستمع واستيعابه الجيد أو بسبب الاختلاف الثقافي في التفسير لهذه المعلومة من أهم عوامل نشوء سوء التفاهم.. إذا صحت الكلمة فإن سوء التفاهم قضية عالمية، بمعنى هو الموضوع الرئيسي الذي يشترك فيه العالم كمجتمعات وأفراد، نحن البشر بصفة عامة لدينا قابلية كبيرة لسوء الفهم أكثر من أي مخلوقات أخرى تشاركنا هذا الكوكب، وبالتالي فإن سوء التفاهم ماثل في حياتنا وواقعنا اليومي، وكما قال الشاعر الانجليزي جورج إليوت: «إن شعوب العالم أشبه بجزر تصرخ كل منها في الأخرى عبر بحر من سوء التفاهم».

طباعة Email