«شخصيات تحت المجهر»

جميل الحجيلان.. ترك في كل موقع شغله بصمة خالدة

ت + ت - الحجم الطبيعي

كتب الكثيرون عن الشيخ جميل الحجيلان، أحد رجالات الدولة الأجلاء والحكماء في الخليج، ممن حفلت حياتهم بالإنجازات والتنقلات والمسؤوليات الثقيلة في زمن اتسم بالصراعات والأزمات وعدم اليقين، بل ساحوا في حياتهم، متطرقين إلى كل ما حفلت به من مشاهد وأحداث ومخاضات.

ولكن على الرغم من ذلك سيظل هناك دوماً جوانب لم تسلط عليها أضواء كافية. وهذا ــ بطبيعة الحال ــ شأن العصاميين الذين لم يولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، وإنما شقوا طرقهم بالعزيمة والإرادة متخذين من طموحاتهم دافعاً، ومن عزائمهم وقوداً، ومن معاناتهم جسراً للعبور نحو المعالي.

ولد الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان سنة 1929 بمدينة دير الزور السورية (سجله والده في الأوراق الرسمية على أنه من مواليد بريدة) ابناً لأسرة من أسر العقيلات التي عرفت بتنقلاتها ما بين نجد والعراق ومصر وفلسطين وبادية الشام لأغراض الاتجار في الخيول والإبل وقيادة القوافل التجارية، حيث كان لوالده ببلدة «الوادعة» شرق الشام إسطبل خيل يطل على نهر الفرات.

والحجيلان من العائلات العريقة ذات التاريخ المشرف في شبه الجزيرة العربية، وترجع أصولهم إلى مدينة بريدة، وهم من العناقر من بني سعد من تميم. ومن شخصيات العائلة المعروفة تاريخياً «حجيلان بن حمد بن عبد الله آل حسن» حاكم القصيم لمدة 40 سنة متواصلة وصاحب الدور المؤثر في نشر الدعوة السلفية والقتال في سبيلها زمن الدولة السعودية الأولى.

ولأن والده كان من العقيلات، فقد نشأ «جميل الحجيلان» في بلاد الشام، وعاش طفولته بين صهيل الخيل، ومجالس البادية، ومياه الفرات. وحينما بلغ سن التعليم التحق بالمدارس السورية.

وتشاء الأقدار آنذاك أن يكون أحد معلميه في المرحلة الإعدادية هو الشيخ الأديب علي الطنطاوي، الذي غرس فيه حب العربية وآدابها، وهو ما جعل صاحبنا يعيش بقية حياته محباً للأدب والشعر، متميزاً في أسلوب كتاباته ومراسلاته، وأنيقاً في مرافعاته وحججه، بل جعله منفتحاً أيضاً على ثقافات الآخر ولغاته وآدابه، ولا سيما الفرنسية التي تعلمها ضمن مقرراته المدرسية.

ومن جانب آخر، كان لما تعلمه على يد الطنطاوي تأثير لجهة بروز موهبته الشعرية، التي تجلت في نظمه لقصيدة وطنية حماسية بعنوان «صوت فلسطين» وهو في سن الـ 19. وفي الستينات برزت موهبته الكتابية أيضاً، حينما راح يكتب سلسلة من المقالات السياسية دفاعاً عن بلاده ضد خطاب الحقد والتضليل الذي كان يبثه إعلام الأنظمة العربية اليسارية (جمع هذه المقالات في كتاب أصدره بعنوان «الدولة والثورة»).

وعلى الرغم من ولع الرجل مبكراً بالأدب العربي، فإنه حينما وصل سنة 1946 إلى مصر للدراسة بجامعة فؤاد الأول، اختار أن يدرس بكلية الحقوق مدفوعاً بحبه للعدل والنظام والقانون. وعاش سنواته القاهرية في ظل أجواء تسيدتها قضيتان هما مقاومة الاحتلال البريطاني وهزيمة العرب في حرب فلسطين الأولى.

يقول الحجيلان في حوار مع مجلة «الرجل» (28/‏‏‏‏10/‏‏‏‏2017) إن مصر في تلك الفترة كانت بها حرية صحفية وديمقراطية برلمانية نادرة في العالم العربي، ولم يكن بها «الطوفان العجيب من الانتماءات السياسية والعقائدية التي عرفتها في الستينات». ولهذا فإنه لم يعش التجربة التي عاشها غازي القصيبي وزملاؤه في القاهرة زمن صعود نجم الرئيس عبد الناصر.

ويخبرنا الحجيلان في ذلك الحوار أيضاً أن مديرية التعليم بمكة رفضت إلحاقه بالبعثة التعليمية السعودية في مصر بسبب اختياره دراسة القانون، لكنها تراجعت، بعد أن نجح في الانتقال إلى السنة الثانية بدرجات جيدة، فراحت تصرف له مبلغ عشرة جنيهات وأربعين قرشاً كل شهر.

وفي حادثة، تدل على ميول الرجل الأدبية وعشقه للخطابة، يروي الحجيلان أنه كان الطالب الوحيد الذي تجرأ على إلقاء خطاب في حفل أقامه الملك فاروق بقصر عابدين في رمضان 1946م تكريماً للطلبة العرب المغتربين.

واصل الحجيلان دراسته الجامعية بنجاح إلى أن تخرج سنة 1950، وكان من ضمن أساتذته في كلية الحقوق الفقيه الدستوري المصري الدكتور عبد الرزاق السنهوري. وفي يناير 1951 عاد الحجيلان إلى وطنه شاباً يملؤه الطموح ليبدأ مسيرته المهنية بالعمل في وزارة الخارجية التي كانت وقتذاك تشغل مبنى صغيراً من طابقين بجدة، ولا يعمل بها سوى 30 موظفاً.

وقد تحدث الرجل عن هذا فقال ما مفاده أنه في اليوم التالي لعودته من مصر ذهب بصحبة طاهر رضوان وكيل وزارة الخارجية السعودية آنذاك، لمقابلة وزير الخارجية الأمير فيصل بن عبد العزيز، للسلام عليه وتوقيع قرار تعيينه بديوان الوزارة براتب 385 ريالاً شهرياً.

ويتذكر الحجيلان أن أول مهمة أوكلت إليه بصفته موظفاً في الخارجية يجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية هي مرافقة وزير خارجية إسبانيا الزائر إلى الرياض لمقابلة الملك عبد العزيز في أواخر حياته.

وهذا يعني أن الحجيلان عاصر كل ملوك بلاده والتقاهم. ويشاء القدر، وهو حديث العهد بالوظيفة أن يتوفى والده بمقر إقامته في مصر، فيضطر الشاب العشريني لحمل مسؤولية والدته (وضحى الحجيلان) وزوجة أبيه المصرية وإخوته الأيتام الصغار.

كان توظيفه في الخارجية نقطة البداية لرحلة دبلوماسية طويلة أخذته أولاً إلى طهران (حيث عمل كدبلوماسي تحت قيادة السفير حمزة غوث وعاصر أحداثاً هامة مثل: انقلاب مصدق على الشاه عام 1953...)، ثم أخذته سنة 1956 إلى كراتشي، التي عمل بها دبلوماسياً تحت قيادة السفير عبد الرحمن البسام، ثم السفير محمد الشبيلي حتى عام 1960 حينما توقفت رحلته الدبلوماسية مؤقتاً لتبدأ رحلته الإدارية والإعلامية.

ففي عام 1961 اختاره ولي العهد ورئيس الوزراء الأمير فيصل ليكون مديراً جديداً للإذاعة والصحافة والنشر برتبة وكيل وزارة، خلفاً للشيخ عبد الله بلخير. وقتها شمر الرجل عن ساعديه لإحداث نقلة في جهاز خطير كان يشكو من الترهل وعدم الاستقرار وضعف التأثير، لكن المقام لم يطل به في هذا المنصب ليحقق كل ما تمناه.

فبعد 8 أشهر صدر مرسوم ملكي بتعيينه سفيراً للسعودية لدى دولة الكويت حديثة الاستقلال، فحفر اسمه في تاريخ بلاده كأول سفير لها في الكويت.

وهنا أيضاً كان الحجيلان شاهداً على واحد من الأحداث الهامة في تاريخ العرب المعاصر مع كل ما رافقها من قلق، ونعني بهذا الحدث تحرش نظام الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم بالكويت سنة 1961 ومطالبته بضمها إلى بلاده، وهو الحدث الذي رفضته الرياض وأتبعته بإرسال قواتها للدفاع عن جارتها.

في مارس 1963، وبعد أن أمضى نحو 18 شهراً في الكويت كسفير، استدعي إلى الرياض ليتولى حقيبة الإعلام المستحدثة في حكومة شكلت أواخر عهد الملك سعود، ليدخل بذلك التاريخ مجدداً كأول وزير للإعلام في بلاده.

كان ذلك التعيين بمثابة تحد كبير للرجل، خصوصاً وأنه جاء في زمن مضطرب سياسياً، حيث كانت أجهزة الإعلام المعادية تعمل ليل نهار ضد بلاده، مطلقة الاتهامات الباطلة وناشرة الدعايات المغرضة، ما استوجب قيامه بعمل جبار للرد والدحض.

كانت للحجيلان بصمات خالدة عديدة خلال الفترة التي تولى فيها حقيبة الإعلام (18 شهراً من عهد الملك سعود وستة أعوام من عهد الفيصل)، ومنها: تدشين إذاعة الرياض، إطلاق بث التلفزيون السعودي الرسمي من سبع محطات، وشهد الإعلام الخارجي قفزة كبيرة، وابتعث الشباب السعودي إلى الخارج للتخصص، وحولت ملكية الصحف من مؤسسات فردية إلى مؤسسات أهلية مساهمة، ناهيك عن توظيف العنصر النسائي في الإذاعة والتلفزيون لأول مرة، والسماح ببث أغاني أم كلثوم وفيروز من التلفزيون، وغيرها من القرارات النوعية.

في عام 1970 ارتأى الفيصل أن يجمع الحجيلان ما بين حقيبتي الإعلام والصحة فأمسك بهما معاً لعدة سنوات، قبل أن يصدر مرسوم ملكي بتفريغه لقيادة وزارة الصحة، ومرسوم آخر بتعيين إبراهيم بن عبد الله العنقري مكانه كوزير للإعلام.

وهكذا قدر الله للرجل أن يمسك دفة وزارة الصحة الحساسة خدمياً، فكان بذلك ثاني وزير أصيل لها من غير الأطباء من بعد الأمير عبد الله الفيصل، وكما حدث إبان قيادته لوزارة الإعلام، شهدت وزارة الصحة في عهده إنجازات كثيرة.

يُعد العام 1974 من الأعوام المفصلية الأخرى في مسيرته، ففيه طلب إعفاءه من العمل الوزاري، وكان له ذلك، لكنه بدأ مجدداً رحلة مع الدبلوماسية أخذته هذه المرة إلى ألمانيا التي شغل فيها منصب السفير لمدة عامين، نقل على إثرها إلى فرنسا، حيث مثل بلاده لمدة عشرين سنة متواصلة (من 1976 إلى 1996)، مارس خلالها هوايته مع السياسة والإعلام والثقافة والفنون الرفيعة، متحدثاً بلغة فرنسية حسده عليها زملاؤه من سفراء البلدان غير الفرنكفونية، ومطبقاً سياسة الحزم والانضباط في عمله الإداري، وساعياً لكسب صداقات رموز وأطياف وقادة المجتمع الفرنسي، ومعايشاً مظاهر الحياة الفكرية والفنية والثقافية المتنوعة في عاصمة النور. في سنة 1996، كان الحجيلان على موعد مع عمل سياسي مختلف.

ففيها رشحته السعودية أميناً عاماً لمجلس التعاون الخليجي، فأصبح ثالث أمنائه العامين من بعد عبد الله بشارة والشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، وليستقر بحكم المنصب في عاصمة وطنه، وليتعامل مباشرة مع قادة دول الخليج العربي، معطياً هذا الكيان الخليجي عصارة تجاربه وعلمه وخبرته وعلاقاته. سلم الحجيلان منصبه هذا لخلفه عبد الرحمن العطية في مارس 2002، ليبدأ رحلة التقاعد، التي منحته الراحة والاستقرار والاقتراب من أسرته وممارسة هواياته في القراءة والكتابة، من بعد رحلة عمل بهيجة طويلة، ترك في كل محطة من محطاتها بصمة لا تنمحي، وذكرى لا تنسى.

 

طباعة Email