غواية الفول

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعاقبت على احتلالها أربع دول أوروبية، فقد احتلها البرتغاليون عام 1444م، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1617م، وبعد ذلك احتلها الفرنسيون عام 1677م، وكان بينهم وبين الإنجليز صراع مرير عليها تم حله في معاهدة أميان عام 1802م، لتعود خالصة للفرنسيين، قبل أن تُصنَّف من قِبَل اليونسكو موقعاً تراثياً عام 1978م.

إنها جزيرة «غورّيه» الواقعة قبالة ساحل مدينة داكار السنغالية، التي تحمل، رغم جمالها الخلاب، تاريخاً أسود مرتبطاً بتجارة العبيد في القارة الأفريقية، حيث كانت المركز التجاري الأكبر لهذه التجارة في الساحل الأفريقي، مع أن مساحتها لا تتعدى 17 هكتاراً. ورغم صغر مساحة الجزيرة، إلا أنه يزورها ما يقرب من 1000 سائح يومياً لمشاهدة معالمها السياحية الفريدة، وأشهرها «بيت العبيد» الذي بناه الهولنديون عام 1776م، وخُصص لاحتجاز المختطفين قبل ترحيلهم، ويوجد به ممر سفلي يؤدي إلى البحر، كان العبيد الذين يمرون من خلال باب فيه لا يعودون، ولهذا أطلقوا عليه «باب اللاعودة». وقد مر من خلال هذا الباب ما يقرب من 30 مليون شخص، تم شحنهم إلى أوروبا وأمريكا، بينما قضى الملايين نحبهم خلال أدائهم الأعمال الشاقة داخل الجزيرة.

يقف البيت اليوم شاهداً على الجرائم التي ارتُكِبت ضد هؤلاء الذين لم يكن لهم حول ولا قوة، وقد أقيم أمامه تمثال يعبّر عن هذه الممارسات، على شكل فتاة أفريقية تعانق قرينها الأفريقي الذي كسر القيود رافعاً هامته تحت شمس الجزيرة، يقفان على طبل كبير، في إشارة إلى أن الطبول كانت تُستخدَم لجذب الناس وإخراجهم من مخابئهم كي يتم اختطافهم إلى رحلة الموت أو الاستعباد، وقد أُطلِق عليه اسم «تمثال الحرية». زارت الجزيرة شخصيات شهيرة، مثل البابا يوحنا بولس الثاني، والرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والزعيم الجنوب الأفريقي نيلسون مانديلا.

في روايتها «فستق عبيد» تغوص الكاتبة الأردنية سميحة خريس في عالم الاستعباد متنقلة بين السودان وبنغازي والجزائر وصولاً إلى البرتغال. يحدث هذا من خلال رحلة إبداعية ممتعة، لكنها مؤلمة، تصور عمق المأساة التي عانت منها بطلة القسم الثاني من الرواية «رحمة» التي تم خطفها من قريتها في دارفور، حيث استقر جدها «كامونقة» بطل القسم الأول من الرواية. قاد قافلة العبيد التاجر الجزائري رايمون، ومن بين أفراد القافلة كانت «رحمة» التي كان رايمون قد اشتراها من الجلابة. يعبر رايمون صحراء ليبيا إلى بنغازي، حيث يبيعها للتاجر البرتغالي ساراماغو، المنحدر من سلالة غير نبيلة، فقد فكر ساراماغو في أنها تستطيع خدمة زوجته سليلة النبلاء كارولينا في قريته النائية في البرتغال، وقدّر أنها ستشعر بالامتنان نحوه.

تحوّل اسم «رحمة» إلى «رفمة» منذ أن انتقلت ملكيتها إلى التاجر البرتغالي الذي مكثت معه مدة قاربت شهراً ويزيد في الجزائر، عاملها خلالها معاملة الأزواج للزوجات. صدّقت أنها امرأته كما لم تكن امرأة أحد قط، حتى ظنت أن الحياة استقامت لها على صورتها تلك، ولكن فجأة فعل سيدها ما كان ينتويه أساساً ولم تتوقعه، حزم ثيابه وشدها لتتبعه، ومجدداً ركبا السفينة التي توغلت بهما في عمق البحر الأبيض المتوسط.

منذ اللحظة الأولى فوق السفينة ارتجفت رحمة وأحست بانقلاب سيعتري حياتها فيمحو ويشطب ما مضى، وشى جسد ساراماغو بمكانته ومكانتها، كانت حركاته وحدها كفيلة بهد عالمها الذي ركنت إليه واهمة أنه العالم الأخير الذي سيحضنها، فسيدّها الذي كان يسير بمحاذاتها في المدينة، في اللحظة التي داست قدماه أرض السفينة، بات غيره، تباعد عنها بخطوات عامداً، ومال كتفه بعيداً عنها مقفياً، واختفت ابتسامة التطمين بمجرد ظهور البيض الرافلين بكثير من الثياب والرياش، مضى كأنه لا يعرفها رغم أنها عبدته الصغيرة، عادا سيداً وأمة، حراً وعبدة. ما جرى بعد ذلك في قرية «فاتيما» البرتغالية لرحمة يستحق أن يروى، لكنه كثير وموجع.

كان الجلّابة وقطاع الطرق يقتنصون الصغار الجوعى عارضين عليهم حفنات من الفول، مستغلين جوعهم: «هكذا اختطفوا السذج في الماضي، وأنا أردت تحصين أولادي من غواية الفول، الذي يسمونه في أماكن كثيرة فستق عبيد، إنه الفستق الذي يمكن أن يوقعك في العبودية، قلت لنفسي: أزرعه، فيشبع الأولاد، ولا يذهبون إلى العبودية بأقدامهم»، هكذا قال كامونقة أمام أبنائه وأحفاده المتحلقين حوله وهو على وشك الانتقال من الظل إلى النور. لم تستجب رحمة لغواية الفول، ومع هذا كان نصيبها الاختطاف، لم تنج رحمة من المصير الذي آل إليه كل الذين خرجوا من «باب اللاعودة».

طباعة Email