ثقافة الحكم على الآخرين

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحيط بنا الكثير من المشاكل، وتعترض طريقنا العقبات، البعض منا تكون ردات فعله عنيفة وتكون معالجته لأي حالة تعترضه قاسية. بمعنى أن البعض وهو يعاني ويتعب ويكدح ينسى فضيلة التسامح والعفو، فعندما يخطئ أحدهم عليه فإنه يصاب بحالة من التشنج والغضب التي تمنعه من التفكير في الظروف والملابسات التي حدثت وسببت هذا الخطأ، هل هو متعمد وعن قصد وإصرار، أم إنه جاء بشكل عفوي وفي لحظة دون أي تخطيط أو ترتيب؟ 

وهناك الكثير من الأمثلة والقصص التي توضح هذا الجانب، وأسوق من بينها قصة قرأتها قبل فترة حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية مع ويل روجرز، وهو ممثل كوميدي أمريكي عاش خلال نهاية القرن الـ 18، ورث مزرعة كبيرة، وفي أحد الأيام قام أحد المزارعين بقتل ثور يملكه، بسبب أن الثور كسر السياج وأكل محصول الذرة، وعندما علم روجرز بما فعله المزارع غضب وأخذ معه أحد أقوى الرجال وتوجه إلى منزل المزارع، وخلال سيرهم واجهتهم عاصفة ثلجية، وما إن وصلا إلى كوخ المزارع حتى استقبلتهم الزوجة التي رحبت وألحت عليهما بالدخول إلى الكوخ للتدفئة بالقرب من النار حتى وصول زوجها، وعندما وصل الزوج رحب بهما وتناولا العشاء وأصر عليهما للبقاء حتى تهدأ العاصفة الثلجية، وافقا على المبيت حتى الصباح، وأمضى روجرز الليل في إضحاك المزارع وزوجته وأطفاله الـ 5، وعندما أشرقت الشمس غادرا المكان، وخلال رحلة العودة عاتب الرجل الذي كان يرافقه وقال لقد توقعت أن توبخ المزارع لقتله ثورنا؟ فأجابه روجرز، كنت عازماً أمري على ذلك، ولكني فكرت في الأمر، أتعرف أنني لم أفقد ذلك الثور، ولكنني قايضته بالقليل من سعادة البشر، فهناك الملايين من الثيران في العالم، إلا أن السعادة البشرية أمر نادر.

الذي حدث أن ويل روجرز، وبما يملكه من الحس الإنساني، عندما وصل للكوخ شاهد زوجة المزارع المرهقة من التعب الكادحة في أعمال الزرع والقلع، والتي غابت عن ملامحها السعادة، وأيضاً عندما دخل الكوخ شاهد الأطفال الـ 5 وهم يرتدون ملابس ممزقة ويتلصصون النظر إليه في خوف وفي حالة يرثى لها، فأدرك عندها أن المزارع لم يقتل ثوره عداءً وتربصاً وأذى، بل لأن الثور المؤذي استهلك قوتهم الذي يعتمدون عليه في مواجهة الشتاء القارس، هي قضية حياة وموت كانت بالنسبة للمزارع، ولذا غلبت إنسانية ويل على غضبه، فأمضى تلك الليلة في إضحاكهم بما يملكه من خفة الظل وقدرة على الإضحاك.

وأعتقد أن هذا الجانب هو ما نحتاجه في حياتنا، وبطبيعة الحال ليس إضحاك من يسيء لنا، وإنما معرفة كيف نحكم على ما يواجهنا من مشاكل وعقبات، وفي التماس العفو والعذر والتسامح لمن نشعر أنهم لا يسيئون لأنهم سيئون، ولا لأنهم مؤذون، ولا لأنهم كارهون، وإنما أساؤوا نتيجة ظروف قاهرة أخرجتهم عن طور الحكمة، أو أساؤوا بسبب عوامل قاسية، وليس لأن الشر متربص في قلوبهم.

طباعة Email