الحُكْمُ الذي قدره أن يدوم

ت + ت - الحجم الطبيعي

أعلن قصر باكنغهام في بيان له الخميس الماضي عن وفاة الملكة إليزابيت عن سنّ بلغ 96 عاماً منها 70 عاماً على رأس الدولة.

ومنذ هذا الإعلان انطلقت عملية بروتوكولية وإجرائية دقيقة تمتدّ على مدى 10 أيّام، وأُعلن السبت أن مراسم جنازة الملكة إليزابيث الثانية ستقام في 19 سبتمبر في كنيسة ويستمنستر في لندن.

ورغم أنّ الملكة في النظام الملكي الدستوري البريطاني لا تحكم وهي محايدة في الصراعات السياسية والحزبية، فإنّها تبقى رئيسة الدولة ورمز وحدتها واستمرارها ولها مكانة اعتبارية مهمّة مكّنتها من لعب أدوار مهمة وأساسية في الحياة السياسية وفي التاريخ البريطاني الحديث عموماً، وهي إلى جانب ذلك من الناحية الدستورية ملكة لأربع عشرة دولة من مجمُوع ثلاثة وخمسين من دول الكومنولث، كما ترأست الكنيسة الأنغليكانية منذُ 6 فبراير 1952 حتى وفاتها في 8 سبتمبر 2022.

وبريطانيا هي أعرق الديمقراطيات الغربية وأقدمها وقد تمكّنت على مدى الأحقاب من التأقلم مع التطوّرات الكبيرة التي عرفتها الأنظمة الليبرالية الغربية، حيث أصبحت واحدة من أهمّ الديمقراطيات الغربية وأحدثها ومع ذلك، حافظت المملكة المتّحدة على خصوصية نظامها السياسي الملكي المتفرّد وعلى تقاليد سياسية يكاد لا يوجد مثيل لها في باقي دول العالم وتمكّنت بالتالي من الصمود ضدّ موجة تركيز الأنظمة الجمهورية في عدد من دول أوروبا على وجه التحديد، وقد أمكن ذلك بفضل الوعي المبكّر بالاتجاهات التاريخية الجديدة التي فرضها السياق الثوري الذي انطلق في بريطانيا منذ 1688 وتعمّم على عدد كبير من الدول واتّخذ حدّة أكبر مع الثورة الفرنسية.

والحقيقة أنّ الشعب البريطاني ما انفكّ يبدي تمسّكه بالنظام الملكي وبرموزه وهو واقع لا يبدو أنّه سيتغيّر على المدى القريب والمتوسّط رغم ما يُثار من حين لآخر من جدل محدود حول ضرورة القطع مع النظام الملكي الذي يحكم البلاد منذ ما يقارب الألف سنة بقطع النظر عن تمدّد أو انحسار الرقعة الجغرافية للحكم.

إنّ استمرار النظام السياسي في المملكة المتّحدة في شكل الملكية الدستورية لا ينفي كونه عرف ويعرف بعض الهزّات وحتى الحركات الانفصالية، ولكن الاتجاه الطاغي كان التشبّث بخصوصية النظام السياسي الملكي، وهو أمر ترسّخ بفضل عوامل ثلاثة، أوّلها المسافة التي أخذها الملك عن مباشرة الحُكْمِ اليومي وترك تسيير شؤون الحُكْمِ للحكومة وللأطراف السياسية التي تشكّلها، وثاني هذه العوامل التي أمّنت استمرار الملكية في بريطانيا هو اعتماد مبدأ التداول السلمي على الحُكْمِ من خلال آلية الانتخاب الديمقراطية، وثالثها هو تفرّد الملك بشؤون الدولة الكبرى وبصلاحيات حمايتها وتأمين وحدتها وهي وظيفة خلقت رصيداً شعبياً مهمّاً في حساب الملك رغم أنّ هذا الرصيد يختلف من ملك لآخر وقد بلغ مع الملكة اليزابيث الثانية درجة من الارتفاع غير مسبوقة، وهو ما يفسّر أنّ وفاتها - رغم أنه كان منتظراً - مثّل رجّة في المجتمع البريطانى وحدثا وطنيا وحتّى دولياً وهو يكاد يشكّل «مأساة» فردية لكلّ مواطن وذلك لعمق العلاقة التي كانت تربط الملكة اليزابيث الثانية مع شعبها.

ولعلّه من المهمّ التأكيد على أنّ التساؤلات الكبرى التي تُثار في دول غربية عدّة حول مدى استجابة الديمقراطيات التمثيلية لطموحات مجتمعاتها لا تُطرح بنفس الحدّة في بريطانيا وربّما يكون ذلك بسبب الاعتقاد بأنّ القيم الأساسية تعبّر عنها الملكة التي نأت بنفسها عن الانخراط العلني والمصلحي في الصراعات السياسية واكتفت بصلاحيات أساسية ليست محلّ خلافات بين الأطراف السياسية والحزبية.

إنّ الأساس في استمرار الحُكْمِ ليس في إجبارية القبول به أو في نوعية النظام السياسي المعتمد وإنّما الأصل فيه هو مدى قدرة الحاكم على أن يكون في خدمة شعبه وأداة فعلية لتحقيق طموحات مواطنيه في العيش الحرّ والكريم، سواء كان ذلك بصلاحيات مباشرة كما هو الحال في عدد من الدول على اختلاف أنظمتها السياسية أو بصلاحيات تحكيمية وغير مباشرة كما هو الأمر في بريطانيا.

ويبقى المفروض أنّ الهدف الأسمى من كلّ الحراك السياسي وحتّى الثوري الذي تعرفة المجتمعات والشعوب هو تحقيق حرّية ورفاهية المواطن المعادي بالفطرة لأيّ حراك إصلاحي أو ثوري لا يؤمّن له الحدّ الأدنى المطلوب، الشيء الذي جعله ينزع دوماً إلى السلم والأمن الاجتماعي ويسعى ما أمكن إلى تجنّب الهزّات التي قد تغيّر أنظمة ولكنّها لا تضيف شيئاً لواقعه اليومي.

 

طباعة Email