ليت الأجداد يعيشون للأبد

ت + ت - الحجم الطبيعي

«ليت الأجداد يعيشون للأبد».. عبارة أثرت فيّ عند قراءتها على أحد الفيديوهات التي شاركني بها أصدقاء يحبون الحياة، ولهم فيها نظرة خاصة، هم أقرب فيها إلى أن يكونوا حالمين، منهم إلى الواقعيين، إذ يجدون في الواقعية جلافة ثقيلة، قابلة لأن تصبح صلافة منفّرة.

والفيديو لجدٍ ثمانيني مع طفلة عمرها ثلاثة أو أربعة أعوام، يمشيان على رصيف الشارع هوناً، في يوم مطر شديد. هو شادر في سكينته، أما هي ففراشة مُنشغفة بألوانها. تمد يدها إلى جهة الشارع بحيث تضرب كفها حبات المطر، وبيدها الأخرى تسحب يد الجد الثقيلة، تشعره أن افعل مثلما أفعل؛ خُذْ حبات المطر وامسح بها وجهك. وكان الجد يفعل، وكان سعيداً بما يفعل. حقاً، ليت الأجداد يعيشون للأبد.

الأربعون عاماً أو يزيد، غالباً ما تعدّ في الثقافة الشرقية، سن الحكمة، فيشار إلى الشخص ذي الأربعين فما فوق، أنه الرجل الحكيم؛ فهو قد راكم تجارب كثيرة ومختلفة في الحياة، طوال الأربعين عاماً الفائتة، تزوّد منها بخلاصات يستفيد منها بالتأكيد، ويفيد بها الآخرين من الناس.

إضافة إلى نضجه العقلي والنفسي والبدني في هذه المرحلة من العمر، ما يؤهله للقيام بأدوار لا يقدر عليها كثيرون، على أن الأمر يبقى نسبياً. لكن في الثقافة العربية - الإسلامية، على وجه الخصوص، فإن سنّ التكليف للرسل والأنبياء، بحسب ما ورد في تاريخ الأديان والشرائع، هو نحو الأربعين أو يزيد قليلاً.

 وقع في يدي يوماً تقرير، عرفت منه أن متوسط الأعمار في بلد كفرنسا وإسبانيا بالتحديد، مع إغفال البلدان الأوروبية الأخرى، يبلغ 82 عاماً. فعدتُ بذاكرتي إلى تقرير مماثل كنت قد قرأته، يتحدث عن الصحة والأعمار في بلدان الخليج العربية، يذكر أن متوسط الأعمار فيها يبلغ 62 عاماً. مر على هذا التقرير الأخير قرابة العقدين، بالتأكيد تطورت خلالهما الرعاية بالتأكيد في الكثير من المرافق والمجالات التي لها وطيد العلاقة بجودة الحياة، مما يضمن علمياً أعماراً طويلة. على أن الأعمار بيد الله.

 عند المقارنة بين التقريرين، الأجنبي والعربي الخليجي، مع اختلاف تاريخ الإصدار، بدا الفارق كبيراً، وهذا طبيعيّ؛ فالظروف والأسباب والإمكانيات تحكم أحياناً، لكن اليوم، وبعد أن توفّرت الرعاية الصحية، خصوصاً الاهتمام بالمرأة والطفل، وازدياد الوعي لدى الفرد بالتغذية الجيدة وأهمية الرياضة المنتظمة في بلدان المنطقة، فمن المؤكد أن متوسط الأعمار شهد قفزات مرتفعة وواعدة تبعث على الطمأنينة، وأحسبه أنه اقترب اليوم من 72 عاماً إذا لم يكن أزيد. 

لكنّا نعود إلى الأجداد الذين ندعو لهم أن يعيشوا للأبد، لنطرح سؤالاً مشروعاً إلى لا أحد بعينه، وهو: لماذا حينما يكبر الشخص في السن، عندنا نحن العرب تحديداً، ويحال إلى التقاعد، يشعر أنه عملياً يحال إلى (الهامش)، حيث النسيان، والوحدة، والملل، وضيق النفس؟

قد يقول قائل: إن كبار السن عندنا لم يخططوا، قبل تقاعدهم، لحياة ما بعد التقاعد. من هنا جاءت الصدمة الشعور بالتبعثر والفوضى. قد يتفهم الإنسان أبعاد هذه الحجة التي تبدو في ظاهرها جيدة ولها علاقة بالوعي والتخطيط. لكن تبقى المسألة بحاجة إلى مزيد من الدراسة. فليس كل من أحيل إلى التقاعد كان بحاجة إليه، وليس كل من لم يتقاعد واستمر في عمله، كان بحاجة إلى عمله. هي معادلة للبحث فقط.

مجلة (نيوإنجلاند) الطبية ذائعة الصيت، نشرت دراسة إحصائية في موضوع الأعمار، بدأته بسؤال: لماذا تعتمد الشركات العملاقة في العالم على موظفين تجاوزت أعمارهم ستين عاماً، وتسند إليهم مناصب عُليا؟ سؤال كبير ولافت، حظيَ بنسبة مقروئية عالية. خلصت المجلة عبر الاستطلاعات الميدانية، إلى نتائج عززتها بـ(حقائق) كما تقول، من بينها:

إن المرحلة العمريّة بين الستين والسبعين ثبت أنّها الأكثر إنتاجية في حياة الشخص. وسمّتها السن الثانية. ومضت لتضيف: إن المرحلة بين السبعين والثمانين، تعد السن الثالثة الأكثر إنتاجية. وتَسوق لذلك بعض الأمثلة، فتذكر مثلاً أن متوسط عمر الفائزين بجائزة نوبل هو 62 عاماً، وأن متوسط عمر المديرين الناجحين في شركة (فورجن 500) هو 63 عاماً.

وتلتقط مثالاً من المجال الديني، وتقول: إن متوسط عمر القساوسة في أكبر 100 كنيسة في الولايات المتحدة الأميركية هو 71 عاماً.. ما جعل المجلة تستدل باطمئنان إلى أن الله (عزّ وجلّ) «جعل أفضل سنوات الحياة للإنسان بين ستين وثمانين عاماً». 

يميل المتخصصون، من الناحية العلمية الخالصة، إلى الرأي القائل بأن ذروة الإنتاج وخلاصة الخبرة المكتسبة تستمران مع الإنسان حتى سن الثمانين، إذا ضمِن رعاية صحية عالية، معزّزةً بنظام غذائي ورياضي جيد، في بيئة تقل فيها نسبة تلوث الهواء. وتنتقل المجلة من اللغة العلميّة إلى اللغة العاطفية المباشرة تجاه القراء بقولها:

إن كان عمرك يتراوح بين الستين والسبعين أو بين السبعين والثمانين، فأنت تعيش أفضل ثاني وثالث مرحلة عمريّة في حياتك. 

لكن بلغة الإمارات وتوقيتها، نقول لكبار المواطنين: اطمئنوا، وكونوا سعداء، فأنتم النور والبركة، وحاجتنا إليكم لا تنتهي صلاحيتها، هي مستمرة.

*إعلامي وكاتب صحافي.

طباعة Email