قوة الإنسانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يشاء العلي القدير أن يذكّرنا بين الحين والآخر بقاعدتين رئيسيتين في الحياة؛ الإنسانية والغوث. مناطق عدة في العالم غارقة في مآسٍ وكوارث وفظائع منذ عقود. اقتتالات أهلية، جماعات ومجموعات إرهابية تقول عن نفسها إنها دينية، صراعات على مال ونفوذ وسلطة وقوة، وباء يقلب حال الكوكب رأساً على عقب، ثورات وقلاقل واضطرابات، أحداث وحوادث يومية تضع ملايين البشر على هامش الحياة. وفي قلب الحياة آخرون يصنعون ويبدعون ويبتكرون وينتجون، ويحاولون قدر إمكانهم البقاء في خانة محور الكون رغم كل ما يجري حولهم من أزمات وقلاقل.

وتمضي الحياة سنوات على هذه الحال. ويعتقد الناس أن الطبيعي هو الشد والمنتظر هو الجذب. شد وجذب، ضغط وضغط مضاد وصراع قوى عظمى وصغرى ومتوسطة، وذلك في انتظار ضربة قاضية تعلن المنتصر ذا العضلات الأقوى والقوة والأوفر. وفجأة تقرر الطبيعة أن تطلق «نوبة صحيان» للجميع، أو على الأقل لمن لديه من العقل ليتفكر ويتعظ.

الأيام القليلة الماضية قلبت دفة الأخبار والاهتمام والأنظار من أوكرانيا وتايوان وأوروبا المقبلة على شتاء بموارد طاقة في علم الغيب، إلى باكستان التي غمرت الفيضانات ثلث مساحتها وقتلت نحو 1200 شخص وأضرت 33 مليون إنسان ودمرت أو ألحقت دماراً مريعاً.

وقبلها بأيام قليلة، طالعتنا فيضانات السودان بما لا يلذ أو يطب من أخبار وصور عن قتلى يناهزون المئة، ودمار طال أنحاء عدة بينها تضرر كامل أو جزئي لنحو 35 ألف بيت في عشر ولايات في طول البلاد وعرضها.

والفيضانات لا تأتي فرادى، بل تصل ومعها حزمة كاملة من المخاوف حيث تدهور بيئي متوقع وما يعنيه ذلك من توالد سريع للناموس والذباب، مع شح المياه الصالحة للشرب، وهو ما يعرض باكستان والسودان لأخطار صحية فادحة. والأخطار الصحية عابرة للحدود ولا تخشى موظف جوازات أو إجراءات تدقيق وتمحيص. بل تعبر وتنتشر في حال توافرت لها الظروف. وحين تكون قدرات الدول المتضررة شحيحة أو محدودة، أو تفوق الكارثة حجم الاستعدادات اللوجستية لمواجهة الأضرار المتوقعة، فإن المخاطر تتضاعف والتوقعات بالأسوأ تتواتر.

وتواتر المشاهد المروعة والأرقام المفزعة تخبرنا أن ما كنا نعتقد أنه الأسوأ والأقسى في الحروب والصراعات ليس كذلك. وهي توقظنا على حقيقة مفادها أن الصراعات الدموية من أجل القوة والاقتتالات العنيفة من أجل الهيمنة وبسط النفوذ ليست وحدها الجديرة بالاهتمام والمتابعة والمستحقة للقلق والفزع.

لكن مع القلق والفزع، يشاء الله سبحانه وتعالى أن يذكرنا بأننا ما زلنا بشراً. بشر يتضررون، وبشر يهبون لنجدة المتضررين ويغيثونهم. إنها تذكرة بسيادة الإنسانية ورقي وسمو مفهوم الإغاثة.

التقديرات الأولية تشير إلى أن إعادة الإعمار في باكستان تتطلب نحو عشرة مليارات دولار، وأن جهود الإغاثة العاجلة تتطلب جمع نحو 160 مليون دولار. والأمور في السودان ليست أفضل حالاً، لا سيما وأن هناك مناطق عزلتها الفيضانات تماماً ما جعل وصول جهود الإغاثة إليها بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

ما أضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة، وما أقواه حين يهب للإغاثة. الطبيعة تذكرنا بضعفنا. والإنسانية تذكرنا بالقوة التي تولد من رحم الضعف وتخبرنا للمرة الألف بعد المليون أن القوة ليست كلها جيوشاً وعتاداً ومالاً وبأساً، لكن القوة رحمة وتعاطف وإنسانية.

إنسانية الدول التي هبت للإغاثة قوة. والحقيقة أن اسم الإمارات بات وثيق الصلة بمنظومة الإغاثة في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا طبيعي في ظل غرس جذور ثقافة العمل الإنساني، وهي الثقافة وثيقة الصلة بالشعوب العظيمة. ما أن بدأت أخبار الفيضانات في باكستان في التواتر، حتى أعلنت الإمارات عن إرسال مساعدات إغاثية عاجلة للنازحين وتعزيز قدراتهم على مواجهة الظروف بالغة الصعوبة التي يواجهونها وأسرهم، ناهيك عن آلاف الأطنان من الإمدادات والمساعدات الغذائية والطبية والدوائية والإيوائية. وكذلك فعلت الإمارات في السودان حيث تم عمل جسر جوي لضمان وصول الإغاثة للمتضررين في أسرع وقت وبأكثر الطرق كفاءة.

قرأت عن «محور المساعدات الإنسانية والإغاثية» وهي جزء من «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية». وأتابع باهتمام عمل «المدينة العالمية للخدمات الإنسانية» في دبي. لكن القراءة والمتابعة ليست كرؤية المبادرات تُترجم إلى عمل يصب مباشرة في إنقاذ متضررين وغوثهم. إنها أشبه بأن يكون الشخص شاهداً على خروج طفل إلى الحياة.

الشعور نفسه انتابني لدى رؤية شاحنات مصرية ضخمة في طريقها إلى السودان، وسبقها جسر جوي من المساعدات المصرية لشعب السودان الشقيق.

الكوكب حافل بالحروب والصراعات، لكن الحقيقة المؤكدة هي أنه متى وأينما كان ناس في أزمة، يهب آخرون لمساعدتهم وإغاثتهم. إنها الإنسانية.

 

طباعة Email