صلة نظريات العلاقات الدولية بواقع السياسة العالمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

حضرت محاضرة لرئيس وزراء سابق يتحدث عن صلة نظريات العلاقات الدولية بالممارسة الفعلية. السياسي الذي أصبح أكاديمياً تحدث عن أن معظم الممارسين للسياسة الدولية غير واعين بالنظريات التي تفسر العلاقات بين الدول. صحيح أن كثيراً من الساسة والدبلوماسيين لا يعون بالنظريات، ولكنهم هم الممارسون الذي يعطون النظريات مادتها التجريبية. والنظريات ما هي إلا تبسيط لذلك الواقع المعاش.

والنظريات تساعد المحلل على فهم الواقع المعقد، وقد تسمح له باستقراء المستقبل بناءً على هذه النظريات. فعلى سبيل المثال لا الحصر كيف يمكننا أن نفهم الحرب الدائرة في أوكرانيا من خلال الفهم الصحيح لنظريات العلاقات الدولية. والواقع أنه ليس هناك نظرية واحدة تفسر كل الأحداث. هناك مقاربات متنوعة تحتوي على نظريات عدة.

ويسرد السياسي والأكاديمي في محاضرته عن كيف يمكن فهم الإشكالية الحالية في شرق أوروبا. ويرى أن هناك ثلاثة مستويات للتحليل حسب ما يقول منظر العلاقات الدولية كينث والتز في كتابه الإنسان والدولة والحرب. لفهم الحرب في أوكرانيا علينا فهم الإنسان الذي يصنع القرار المتمثل في رأس الهرم السياسي. الدولة هي النظام الذي يصنع القرارات السياسية وأهمها قرار السلم والحرب. وإذا ما فهمنا هذه المستويات نستطيع أن نفهم الحرب الأوكرانية وسيرورتها.

يقول ستيفن والت إن المقاربة الواقعية، وهو من أساطينها، تفسر ما حصل في أوكرانيا أكثر من أية مقاربة أخرى. الواقعية تقول إن الدول جميعها تخشى على أمنها لعدم وجود قوة عالمية مركزية تنظم العلاقات الدولية. ويعتري النظام الدولي المعمعة وعدم الانتظام. والكل يحاول أن يعتمد على ذاته أو على تحالفات لحماية أمنه من أي عدوان. الإشكالية أن زيادة مقدرات الدول لتأمين نفسها من العدوان يخلق ما يسمى بالمعضلة الأمنية لأن الدول الأخرى تبدأ تتخوف من زيادة قوة هذه الدول. وتقوم بدورها بتعزيز إمكانياتها العسكرية مما يخيف الدول التي زادت من إمكانياتها — وهكذا دواليك.

وعندما أرادت دول شرق أوروبا الانضمام لحلف الناتو لتأمين نفسها ضد المهيمن السابق، روسيا؛ استشعرت الأخيرة بالخوف من تمدد الحلف نحو الحدود الروسية كنتيجة للمعضلة الأمنية التي أشرنا إليها. وأن سياسة الباب المفتوح لحلف الناتو أزعج وأفزع موسكو لاعتقادها أن الحلف يحاول خنقها من كل الجهات.

ولكن ما بال المقاربات الأخرى، هناك من يرى أن المقاربة الليبرالية تفسر واقع العلاقات الدولية. فالليبراليون يركزون على المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة منها على أنها الضابط للعلاقات بين الأمم رغم اضطراب هذه العلاقات. كما أن القوانين والأعراف الدولية هي المرجعية الرئيسة لمجمل التفاعلات العالمية. والبعد الأخير للعلاقات الدولية هو الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول والذي يمنع الصراع لأنه يضر بمصالح الدول واقتصاداتها. فكلما زاد الاعتماد بين الدول اقتصادياً كلما انحسرت الدواعي للخلافات والحروب. وكلما استندت الدول إلى المرجعيات القانونية والممارسات التقليدية كلما تناقصت حدة الخلافات لوجود هذه المرجعيات كحكم بينها.

ولكن ما حصل بين روسيا وأوكرانيا لا يؤيد وجهة النظر هذه. فرغم وجود القانون الدولي وتبادل المنافع الاقتصادية بين روسيا والدول الغربية، إلا أن روسيا استطاعت أن تتجاوزها في سبيل مواجهة ما تعتقد أنه إضرار بأمنها القومي. ولكن والت يشير إلى أن سرعة الرد الغربي على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يدلل على تأثير المنظمات الدولية على العلاقات بين الدول. فلولا وجود منظمة دولية مثل الناتو والتي استطاعت حشد الدعم لأوكرانيا لما حصلت ردة الفعل تلك بالوتيرة والزخم نفسيهما.

هناك مقاربات أخرى تستطيع أن تلقي بعض الضوء على تفسير الصراعات والخلافات الدولية مثل الحرب الأوكرانية أو المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط. ويبدو أن المقاربة الواقعية تفسر كثيراً من الخلافات على المستوى الدولي، بينما تفسر المقاربة الليبرالية على العلاقات التوافقية والوئام بين الدول. وعلى السياسي والدبلوماسي الحصيف أن يتلمس الأجوبة في ثنايا هذه المقاربات للوصول للقرار الصائب في عمله اليومي؛ بينما سيظل المنظرون في العلاقات الدولية يجادلون ويساجلون ويعدلون في نظرياتهم بموجب الأحداث والمعطيات الحاصلة في الواقع المعاش. وكما قال أبو الطيب المتنبي:

أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email