فرّق تَسُد في العمل!

ت + ت - الحجم الطبيعي

عندما يضعف المسؤول يلجأ إلى حيل غير وجيهة في مواجهة مشكلاته. فمن صور ضعف المدير، محاولة التفريق بين الموظفين «ليسود بينهم»، وهي حيلة قديمة تلجأ إليها الشعوب في المعارك والمواجهات الاجتماعية. فيقول الإنجليز: divide and conquer، وتقول العرب:

«فرق تَسُد». وصور ذلك عديدة، فهناك من ينقل الخلافات، أو الوشاية بين الموظفين ليضرب ببعضهم ببعض. وهناك من يحرض شخصاً على آخر، أو يفرط بمديح أحدهم أمام آخر أقل أداءً حتى تدب الغيرة في نفس الأخير، فيكره زميله وربما يناصبه العداء. بعض المديرين يعتقد أنه بهذه الطريقة قد لقنه درساً لن ينساه!!

ومن المسؤولين من يتعمد إذاعة مبلغ الزيادة في الراتب لموظف مقرّب، انتقاماً من آخر لا يستطيع مواجهته. ‏ومنهم من يتعمد دعوة المقربين منه للمؤتمرات أو زيارات عمل عالمية أو دورات انتقاماً مِمَن لا يستطيع أن يواجههم بقصورهم.

‏وهناك من يواجه الأقوياء من مرؤوسيه الأصغر سناً بسياسة تكسير العظم فما أن يقترح أحدهم شيئاً أو يعترض حتى يبدأ المسؤول الضعيف بالتعريض بهم تارة أو تسفيه آرائهم تارة أخرى. وهناك من يفرق بين العاملين عبر تشويه صورة بعض المرؤوسين لدى الإدارة العليا حتى يضمن أن يكون كل مقترح أو فكرة أو تصور نابعاً منه شخصياً!

وهذه الفئة على الأرجح لا تعطي لكل ذي حقٍ حقه. وهو مثال صارخ على عدم العدالة في التعامل مع الناس، ولكن سيدركون بعد فوات الأوان معنى «كما تدين تدان».

‏وهناك من يقحم التدوير الإداري إقحاماً لا مبرر له ليزيل مدير شاطر العاملين معه وشائج المودة، ليس لمصلحة العمل لاستشعار الخوف منه اتساع دائرة قبوله لدى الناس.

غير أن تلك التصرفات لا تنطلي على كل فطن في بيئة العمل، فهي تصرفات المفلسين الذين لا يقوون على المواجهة أو بالأحرى منافسة أفضل القيادات. وقد ينم هذا التصرف في جوهره عن ضعف في الشخصية. ومن صور الضعف، أن يتحسس المرء من التعلم ممن يصغر سناً أو خبرة.

ويحاول بعض المسؤولين إشعار من حوله بخطر وهمي داهم ليحكم الهيمنة عليهم. ولهذا يقول الزعيم النازي هتلر «‏إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم معرضون للخطر، ثم أخبرهم أن أمنهم تحت التهديد، ثم خون معارضيك وشكك في ولائهم ووطنيتهم». وما ‏ينسحب على عالم السياسة ينسحب على بيئات الأعمال.

وينسى المسؤول الذي يتبنى مبدأ «فرق تَسُد» بأنه يكشف ضعفه بهذه الحيلة الهزيلة.

فالمدير القوي يواجه، ويتفنن في طرق القيادة، والرقابة، والإشراف، والتحفيز، والدعم والمساندة، بل ويتبنى أساليب ذكية لإيصال ما يرمي إليه من دون صدامات أو مواجهات.

وقد رأينا في بيئات العمل كيف يحفظ المسؤول المهني كرامة الموظفين ويهمس في أذن المقصر، حتى لا يشعر من حوله بسهام التوبيخ.

* كاتب كويتي متخصص في الإدارة

 

طباعة Email