القراءة غذاء الروح

ت + ت - الحجم الطبيعي

القيادةُ فنٌّ وإنجازٌ وإلهام، والقائد الذكي هو الذي يترك بصمته الخالدة من خلال الإنجاز والإلهام، ولصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، النصيب الأوفى من هذا النمط المتفرد في القيادة المبدعة، فهو منذ بواكير عمره الميمون منخرط في تجذير هذه المعادلة في قلب الحياة والوجدان العام للشعب من خلال النظرية والتطبيق، وها هو يواصل من خلال وسمه الرائع «ومضات قيادية» ترسيخ هذه الثقافة الفاعلة في الحياة الفردية والاجتماعية من خلال هذه الخبرات والإشارات الذكية المعطّرة بعطر الخبرة والمحبة والرغبة الصادقة في إفادة الأجيال وتنوير طريقهم بكل نافع ومُلْهِم ومفيد، وفي هذا السياق المتواصل من عناية صاحب السمو بأبنائه وقرّائه ومتابعيه، نشر ومضة قيادية على حسابه في إنستغرام ركّز فيها على أهمية القراءة وكونها غذاءً للعقل والروح لتكون هذه الومضة متناغمة جدّاً مع افتتاح مكتبة محمد بن راشد التي ستكون مَعْلَماً ثقافياً عظيماً في مسيرة الوطن يوفّر المكان المناسب لإطلاق فاعلية القراءة والتثقيف بين هذه الأجيال التواقة للعلم والمعرفة.

«القراءة هي غذاء للروح والعقل» بهذه العبارة المفعمة بالثقة يؤكّد صاحب السموّ أنّ القراءة النافعة العميقة التي تصقل الإنسان وتثري معارفه وخبراته، هي الغذاء الصحيح للروح والعقل اللذين بهما قِوام الإنسان، وهذه حكمة خالدة اتفق عليها أصحاب العقول منذ أقدم الحضارات حتى قالوا: المعرفة مصباح العقل، فكما تحتاج الأبدان للغذاء كي تقوم بواجبها في الحياة وتقوى على الإنجاز، فكذلك هي الأرواح والعقول تحتاج إلى غذائها الصحيح من المعرفة كي تظل متوقدة مثل السراج الذي يستمد نوره من الزيت الصافي، فالمعرفة هي زيت العقل وبها يستنير ويتوهج، وبغير إدامة القراءة ينطفئ المصباح، وتذبل الحقائق في العقل، فدائماً الحاجة ماسّة لتزويد العقل والروح بما يحتاجانه من الغذاء الملائم لهما في شتى فنون المعارف والعلوم الطبيعية والإنسانية، وإنّ القارئ الصادق في القراءة ليشعر بالراحة والنشاط والسرور حين يأخذ وجبته المعرفية، وتنفرج أساريره بالسعادة حين يحصل على المطلوب من العلوم، وهذا شيء مُجرّب، وإنما يعرفه من عايشه حق المعايشة وكان صادق الإقبال عليه بكل طاقته وجوارحه.

«القرآن بدأ بـ {اقرأ}»: وهل بعد قول الله تعالى من قول؟!، ومعلوم أنّ العرب في جاهليتها قبل الإسلام كانت أمة قليلة القراءة والكتابة، وأنّ ذلك كان مختصّاً بأحبار أهل الكتاب، وكان العرب يلجأون إليهم حين يحتاجون لمعرفة شيء من أمور الحياة، فحين أراد الله تعالى إعلاء شأن العرب ورفع منزلتهم في العالمين لم يطلب منهم استلال السيوف لصناعة الإنسان، بل طلب منهم تفعيل العقل من خلال القراءة والتبصّر في حقائق الكون المنظور وحقائق الكتاب المسطور، فكانت هذه الالتفاتة السماوية للإنسان من خلال أخصّ خصائصه التي كرّمه الله تعالى بها وهي العقل، ومن خلال فعل القراءة التي هي نافذة الإنسان نحو الحقائق الكبرى في هذا الوجود الإنساني الثمين، واستجابت الأمة العربية لهذا النداء، وتمّ صقل الإنسان العربي ابن الصحراء وفارس البادية ليصبح هو المعلم الأكبر للإنسانية، ويبني الحواضر في جميع أصقاع الأرض من الأندلس إلى تخوم الصين.

«يعلّمنا التاريخ أنّ صعود الحضارات وازدهار الأمم والشعوب يرتبط بالمعرفة، العلم مستمرّ ولا يوقف» وإذا كانت حضارة العرب والإسلام قد بدأت فعلاً بعبارة «اقرأ» فإن ذلك ليس خاصاً بالعرب وحدهم، بل هو قدَر الإنسان في جميع الحضارات: إنّ صناعة التاريخ وبناء الحضارات وازدهار الأمم والشعوب مرتبطة على نحو وثيق بصعود الفعل المعرفي، واحترام مفهوم العلم الذي يتدفق في الحياة مثل النهر الهادر، ولا يتوقف أبداً عن الجريان، وها هي الأمثلة شاهدة على صدق هذه المقولة، ففي القديم قامت حضارات كانت عميقة التأثير في صناعة المشهد الإنساني في اليونان والهند والصين، ثم استدار الزمان في القرون الوسطى ليحتل العرب المشهد الحضاري بامتياز مشهود يشهد به العدو قبل الصديق ولمدة ثمانية قرون، ثم بزغ نجم العلم والمعرفة في الغرب الحديث وتقدّم تقدّماً مذهلاً فكانت هذه الحضارة المعاصرة التي نشاهدها أمامنا مؤسسة على العلم والمعرفة، وفتح الآفاق الجديدة أمام العقل الإنساني في مسيرته الحثيثة نحو مزيد من الفتوحات والإنجازات.

«أنا اليوم اللي يمر عليّ ولا أتعلم شي، أعتبره ناقص من عمري» ومن قلب التجربة الخاصة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد جاءت هذه الخاتمة الرائعة التي تعبّر عن عمق إحساسه بقيمة العلم والمعرفة، ليتّسع المشهد أمام القارئ ويشمل جميع أنواع المعرفة التي ربما يستفيدها الإنسان من جلسة مع شيخ حكيم مُجرّب، أو من صديق متمرّس بالحياة أو من جولة في قلب الصحراء، فالمعرفة هي الإطار الأكبر الذي يتحرك داخله الإنسان في سبيل صقل شخصيته وتنمية معارفه وإثراء خبراته، فالكمال هو كمال المعرفة، والكنز الثمين هو كنز العلوم والفنون التي يشعر معها الإنسان بقيمة الحياة وروعتها، وأنها تستحق أن تُعاش، ولقد كان سلفنا الصالح أحرص الناس على العلم، ولنا فيهم خير قدوة في هذا السياق، فهم الشموس التي طلعت في سماء العلم، وهم الأخيار الذين بذلوا أنفس الأوقات في سبيل تحصيل المعارف والعلوم، فعلى خُطاهم نسير، وبهديهم نقتدي، ووراء صاحب السموّ نقتبس من نار المعرفة شعلة السير في طريق البناء والإعمار.

طباعة Email