شخصيات تحت المجهر

عبدالله السليمان الحمدان.. أول وزراء الملك عبدالعزيز

ت + ت - الحجم الطبيعي

قبل بضع سنوات كان المار بشارع القبة في مكة يلاحظ وجود قصر كبير قديم مشيد وفقاً لفنون العمارة الإسلامية. هذا القصر تم بناؤه عام 1927، ليكون مسكناً لأول وزير في الدولة السعودية الحديثة وأكثر الأشخاص قرباً إلى مؤسسها الملك عبدالعزيز.

بعد انتقال الوزير من مكة تم تأجير قصره لوزارة الداخلية، ثم صار مقراً لمحاكم مكة، ثم أصبح مقراً لمكتبة الحرم المكي، قبل أنْ يـُباع بمئة مليون ريال سنة 2011.

لا يهمنا هنا القصر، بقدر ما تهمنا سيرة وتاريخ صاحبه وهو الشيخ عبدالله السليمان، صاحب الدور الحيوي الكبير في بدايات تأسيس ونهوض المملكة العربية السعودية.

ولد عبدالله السليمان الحمدان العنزي النجدي بمدينة عنيزة القصيمية سنة 1884 ودرس في كتاتيبها على يد الشيخين «عبدالعزيز بن مانع» و«صالح بن عثمان القاضي»، وزامل بها «محمد بن عبدالعزيز المانع»، الذي صار لاحقاً أول مدير للمعارف السعودية، وعمل في البحرين سنة 1913، وولاه حاكم قطر الأسبق الشيخ عبدالله بن قاسم آل ثاني القضاء والخطابة والتدريس في بلاده مدة 23 عاماً.

ينتسب السليمان لأسرة الحمدان الرسيس في القصيم، وهم من الدهامشة من عنزة، وهو ابن «لعائلة متوسطة في النسب، فقيرة في المال» طبقاً لما كتبه بنفسه في خطاب موجه إلى مندوب صحيفتي «الزمان»، و«لو جورنال ديجيبت» المصريتين اللتين طلبتا منه عام 1950 أن يكتب شيئاً عن حياته للنشر، فاستجاب السليمان متحدثاً المرة الأولى عن جوانب من حياته.

ومما كتبه أنه قضى طفولته في مسقط رأسه إلى أن أرسله والده إلى شقيقه الأكبر محمد في البصرة. وكان الأخير قد ترك عنيزة إلى هناك. ويضيف إنه على الرغم من اهتمام شقيقه به بعد وصوله سالماً إلى العراق، فإن صحته اعتلت بسبب طقس البصرة الرطب غير الملائم له ولأمثاله من أبناء الصحراء، ما جعل شقيقه يرسله إلى «بمبي» للعمل لدى تاجر نجدي من عنيزة مقيم بالهند وهو الشيخ عبدالله بن محمد الفوزان.

سافر السليمان شاباً إلى الهند وقضى سنوات في رعاية الفوزان، وقال عنه: «أحلني من نفسه محل أولاده، وكان ينبهني ويهديني إلى الصواب دائماً، فكان عمله هذا حافزاً لي على الجد والنشاط والتيقظ»، مضيفاً: «لم تمضِ عليّ في هذه الحياة العملية سنتان حتى كنتُ موضع ثقته الكبرى، فسلمني محل تجارته بدفاتره وخزينته وسلعه، ووكل إلىّ إدارته».

من هذا العمل استطاع السليمان أن يتعلم الإنجليزية وفنون التجارة والمال، وأن يرتبط بعلاقات وطيدة بالتجار النجديين والخليجيين المقيمين بالهند، وتمكن أيضاً من ادخار بعض المال.

في هذه الأثناء اكتشف أن راتبه لا يكفي للوفاء بحاجاته وحاجات أخيه الأصغر حمد الذي جلبه إلى الهند ليكون تحت رعايته بعد أن توفي والدهما في عنيزة، إضافة إلى حاجات أختهما الوحيدة المقيمة في نجد. فكان قراره إرسال أخيه حمد إلى البحرين مع بعض مدخراته كي يبدأ تجارة خاصة بهما في المنامة على أنْ يزوده مختلف السلع بحراً من الهند.

تزامن كل هذا مع مغادرة أخيه الأكبر محمد للبصرة من أجل الالتحاق بخدمة الملك عبدالعزيز في نجد رئيساً لديوانه. وتمر الأيام، ويشاء القدر أنْ يـُصاب أخوه محمد في معركة «تربة» سنة 1919، فيضعف سمعه، الأمر الذي جعل الملك عبدالعزيز يستبدل بمحمد أخاه الأوسط عبدالله الذي كان قد عاد للاستقرار في نجد عام 1910، وخصوصاً بعد أنْ سمع الكثير عن أمانته واجتهاده وحسن خطه وجمال إنشائه من وكيله في الهند «عبدالله بن محمد الفوزان».

غير أنّ السليمان كان وقتها مهموماً بمشكلة سداد الديون المتراكمة عليه جراء تعاملاته التجارية في البحرين والهند فطلب من الملك عبدالعزيز أن يمهله بعض الوقت ريثما يسدد ديونه. ومع مضي الوقت كان الدائنون يتصلون بالملك شاكين لديه السليمان ومتهمينه بأكل حقوقهم.

أعجب الملك بصراحة السليمان حينما سأله عن ديونه، فلم ينفِ. فما كان منه إلا أنْ أمره بكتابة رسالة إلى «عبدالعزيز القصيبي» في البحرين يدعو فيها الأخير إلى سداد ديون عبدالله السليمان كافة لمستحقيها وقيد المبلغ في الحساب الخاص.

وهكذا صار السليمان منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي قريباً من الملك عبدالعزيز يتعلم من حنكته ويساعده على تدبير شؤون مملكته الفتية، بدليل أنه لم يمضِ وقت طويل إلا والسليمان، يصير وزير الخزينة الأول المسؤول عن جميع إيرادات ومصاريف البلاد، وشؤونها الاقتصادية بما في ذلك التموين والحج والزراعة والأشغال ومسؤوليات السيارات والأغنام والإبل ومنح العطايا و«الشرهات». وكان يساعده على أداء هذه المهام المتشعبة أخوه حمد بن سليمان الحمدان الذي عينه الملك وكيلاً للخزينة.

مدة طويلة ظل السليمان الشخص الوحيد في السعودية الذي يلقب بـ«الوزير»، أو «وزير الملك». كان ذلك قبل تأسيس مجلس الوزراء بتشكيله المعروف، بل الحقيقة أنه كان أول شخص يدخل المجلس حاملاً حقيبة وزارية تمثلت بالمالية التي تحولت إلى وزارة بدءاً من عام 1927، من بعد أن كانت في عام 1926 مجرد مديرية مقرها مكة المكرمة ويتولى السليمان إدارتها بنفسه.

لم تنحصر مهام السليمان في إدارة الشؤون المالية لبلاده، بل كان بمقام رئيس فعلي للوزراء! إذ خدمها في مجالات كثيرة وحيوية في بواكير انطلاق المملكة نحو تدعيم أركانها وتطوير حياة مواطنيها.

فطبقاً لما كتبه منصور عساف في صحيفة الرياض (5/‏‏‏‏‏9/‏‏‏‏‏2014)، فقد كانت له أدوار متعددة بالغة الأهمية، فهو أول من أطلق البث الإذاعي من جدة سنة 1958م، وهو أحد أربعة أشخاص اختارهم الملك لتأسيس مجلس الوكلاء وهو اللبنة الأولى لمجلس الشورى عام 1930، إلى جانب أنه شغل منصب النائب العام فكان من مهامه التعليم والصحة والبرق والبريد والشورى، كما كُلف بإتمام بناء دار الكسوة الخاصة بكسوة الكعبة، إضافة إلى توليه بعض المهام العسكرية ومشاركته في الوفد المرسل من قبل الملك عبدالعزيز للتفاوض مع الجانب اليمني سنة 1932، وإشرافه على أعمال المشروعات الزراعية بمدينة الخرج.

ويمكن أنْ نضيف في هذا السياق ما قدمه السليمان للرياضة المحلية من تشجيع إذ إنه وافق سنة 1949 بصفته وزيراً للمالية على تخصيص ميزانية للنشاط الرياضي بقيمة 50 ألف ريال بناء على طلب رائد الحركة الرياضية السعودية الأمير عبدالله الفيصل وزير الداخلية المسؤول آنذاك عن الرياضة.

إنّ الدور الأهم للسليمان كان في إتمام اتفاقيات النفط مع الشركات الأجنبية. يقول الكاتب الأمريكي Wallace Stengner في كتابه المهم Discovery: The Search for Arabian Oil، الصادر في بيروت عام 1971 ما معناه أن السليمان، بسبب معرفته بالعراق والبحرين اللتين اكتشف فيهما النفط مبكراً، هو الذي أقنع الملك عبدالعزيز بضرورة البحث عن النفط، بديلاً للبحث عن المياه، كي يتعزز الاقتصاد بموارد مالية مستقرة وفيرة تعفيها من الاعتماد على الدخول المتأتية من مواسم الحج وأنه هو الذي أشار على الملك بالاستعانة في ذلك بشركات النفط الأمريكية بديلة لنظيراتها البريطانيات، وذلك من باب التصدي المبكر لأي محاولات بريطانية للهيمنة على المملكة على نحو ما كان يفعله البريطانيون في العراق وفارس وإمارات الخليج.

وهكذا وقع السليمان باسم الملك عبدالعزيز في مايو 1933 اتفاقية للتنقيب عن النفط في الأراضي السعودية مع شركة «ستاندر أويل أوف كاليفورنيا» الأمريكية.

فكان ذلك فأل خير وبداية حقبة غيرت وجه البلاد السعودية. بعد وفاة الملك عبدالعزيز سنة 1953 طلب السليمان من خليفته الملك سعود أن يعفيه من مهامه وزيراً للمالية، وبناء على إصراره استجاب الملك لطلبه سنة 1954 وعين مكانه الشيخ محمد سرور الصبان.

بعد تقاعده عن العمل الرسمي مارس السليمان التجارة والأعمال الحرة. وهنا أيضاً قدم خدمات جليلة لبلاده، فأسس سنة 1957 أول مصنع للأسمنت في المملكة ومنطقة الخليج تحت اسم «شركة الأسمنت العربية»، وهو أول من استثمر في بناء فنادق 5 النجوم بالمملكة، فبنى فندقي «قصر الكندرة» و«جدة بالاس» بمدينة جدة.

ودعم السليمان التعليم الجامعي في السعودية بتبرعه بقصره ومزرعته بجده لإقامة جامعة أهلية فيهما باسم الملك عبدالعزيز، وفاء وعرفاناً منه لذكرى الملك الذي ارتبط به وتعلم منه وعمل في خدمته جلّ سنوات عمره.

توفي السليمان في 10 نوفمبر 1965 بجدة، فدفن في مقبرة المعلاة بمكة، وبهذا انطوت صفحة رجل حفلت حياته بجليل الأعمال، تاركاً خلفه سيرة عطرة وخمسة من الأبناء وهم: محمد وخالد وعبدالعزيز وأحمد وفهد، ومثلهم من الإناث علماً بأنه لم يبقَ من الأولاد سوى عبدالعزيز وأحمد. غير أن اسم السليمان عائلةً تجاريةً لا يزال باقياً بفضل الجيل الثالث والرابع من الأبناء والأحفاد.

 

طباعة Email