مفاتيح المستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعيداً عن الأوضاع العالمية المشتعلة من حولنا، بات من الواضح تماماً أن نجاتنا تكمن في تعليم بناتنا وأبنائنا، والتعليم كونه طوق نجاة لم يعد إلماماً بالقراءة أو الكتابة، أو تمكناً من قواعد استخدام الكمبيوتر واللغة الإنجليزية.

جودة التعليم في العقد الثالث من الألفية الثالثة لا يمكن أن تكون قراءة وكتابة وبحثاً عن وظيفة مكتبية لتحرير إيصالات أو إدخال بيانات أو حتى نقل هذه المعرفة البدائية إلى الأجيال الجديدة، عبر وظيفة معلم بمعايير سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي.

التعليم الجيد يصقل المتعلم بالقدرات والمعارف، التي يحتاج إليها ليصبح منتجاً اقتصادياً وقادراً على تطوير عوامل التنمية المستدامة، وهو الذي يجعله فرداً فاعلاً في بناء المجتمع المستشرف المستقبل، وليس فقط القادر على مواكبة الحاضر، لذلك، قد ترتفع معدلات «التعليم» فتصبح نسبة الأمية اثنين أو 3 في المئة، لكن يظل المجتمع قاصراً أو محدوداً في قدرات أبنائه على النهوض به، أو زيادة إنتاجيته أو المساهمة في تحقيق رفاهه، فيبقى المجتمع على ما هو عليه مثلما كان قبل عقد أو عقدين أو ثلاثة، ولكن بأفراد «متعلمين».

هذه المجتمعات «المتعلمة» قد تحافظ على استقرارها المتواضع، ومستوى معيشة أفرادها المقبول، لكنها لا تقوى على المنافسة، ولا تصمد أمام العاصفة، فالمنافسة تتطلب تعليماً يكتشف المواهب، وينمي الملكات، ويعرف متطلبات سوق عمل الغد، وبعد الغد، ويربط بينها وبين نظام التعليم من مرحلة رياض الأطفال.

ومجابهة العواصف بأقل خسائر ممكنة، كعاصفة كوفيد 19، وعاصفة حرب روسيا وأوكرانيا وغيرهما تستوجب تعليماً مرناً، يبني قدرات، ويراكم معارف، ويعلم الأجيال كيف تفكر وتخطط، وتستبق الأحداث، وتستعد للمواجهات والصدمات.

صدمة الأرقام عربياً تتحدث عن نفسها، فبين عامي 2000 و2019 ارتفعت معدلات القراءة والكتابة لدى البالغين في المنطقة العربية من 65،29 إلى 75،14 في المئة، وبين الشباب من 86،16 إلى 86،48 في المئة. وبالإضافة لكون المعدلات أدنى من مثيلاتها العالمية، والتي تبلغ 91،73 في المئة، تبقى «جودة» التعليم في العديد من الدول محلك سر إن لم تتدهور بفعل الصراعات والقلاقل والأزمات.

والحقيقة أن الهدف الرابع في أجندة التنمية المستدامة الـ17، والداعي إلى أن يلم جميع الشباب ونسبة كبيرة من البالغين، رجالاً ونساء، بالقراءة والكتابة والحساب بحلول عام 2030 لا يسعدني بقدر ما يقلقني، فحين تكون غاية المنى والأمل أن يكون الشباب في عام 2030 قادرين على أن «يفكوا الخط»- أي يقرأون ويكتبون- فهذا أقرب ما يكون إلى إلصاق سقف التوقعات والطموحات بالأرض.

أرض الواقع تشير إلى أن دولاً عدة في المنطقة العربية لم تكتف بخطو خطوات، بل حققت قفزات على صعيد التعليم الجيد المؤهل للمستقبل فعلاً لا قولاً، وأخرى تسير على النهج، الذي بات طوق نجاة وضرورة لا اختياراً، وعلينا أن نعترف بفضل «كورونا» في تسريع عمليات ضمان جودة التعليم، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الوصول للجميع حتى لا يحرم أحد بفعل الوباء، الذي أغلق المدارس لأشهر طويلة، وانتقلت العملية التعليمية برمتها في دول عدة إلى الفضاء العنكبوتي، ويتطلب هذا جاهزية وابتكاراً وخروجاً إيجابياً من صندوق الكلاسيكيات.

وبحسب مؤشرات جودة أنظمة العالم التعليمية المنشورة على موقع «يو إس نيوز» في أبريل الماضي، تبوأت الإمارات والسعودية ومصر المراكز الأول والثاني والثالث عربياً، والـ27 والـ34 والـ38 عالمياً، كما جاءت قطر والمغرب والأردن في المراكز الرابع والخامس والسادس عربياً، والـ40 والـ56 والـ57 عالمياً.

الإمارات تعدت مرحلة الاكتفاء بما نص عليه دستورها من كفالة التعليم لكل مواطن، وهي الآن تقفز على صعيد جودة التعليم ومواكبته لمتطلبات المستقبل بقدر هائل من الابتكار والإبداع والمرونة.

الخطط المحكمة الموضوعة للأطفال منذ الولادة حيث الاهتمام بالصحة والمهارات وبناء الشخصية، والحفاظ على الهوية مع مواكبة العصر وأحياناً استباقه تتجلى واضحة في قرارات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بعد التشاور، وبمباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، حفظه الله، بإجراء تغيير هيكلي في قطاع التعليم، يشمل استحداث نظم وتشريعات وسياسات تعليمية، وإنشاء عدد من المؤسسات الداعمة لتطوير التعليم ومستقبله، والاهتمام الكبير الواضح بالتعليم المبكر وتحول التكنولوجيا إلى مكون رئيسي للعملية التعليمية.

ويمكن القول: إن هذه المكونات هي سر الخلطة السحرية لتعليم جيد وكفء، يضمن مستقبلاً مزدهراً مستداماً مواكباً ومستشرفاً، ومستعداً للتعامل والمواجهة مع ما يستجد.

كما تسير مصر على نهج الخروج من مفهوم التعليم الضيق باعتباره قراءة وكتابة ووظيفة مكتبية تقليدية إلى التعليم كونه عملية تعلم وتراكم معارف وامتلاك أدوات التفكير والتحليل النقدي والاختيار بناء على المعرفة، وليس ضربة الحظ.

الجميع يركض ويسابق الزمن، للتمكن من طوق النجاة المتمثل في أمم تمتلك مفاتيح المعرفة، وأدوات البحث ومنصات الابتكار، لا نسب مئوية مرتفعة من السكان تعرف القراءة، وتجيد الكتابة.

 

طباعة Email