الاستثمار في الثقافة.. المفهوم والآفاق

ت + ت - الحجم الطبيعي

فرضت الثقافة اليوم نفسها على الفكر المعاصر، وأصبحت في رأس اهتماماته ومشاغله، فبعد القفزة التي شهدها العالم على صعيد المنجزات الاقتصادية، والصناعات العلمية والتقنية وتغيير المفاهيم، بدأ التفكير الجاد بكيفية الوصول إلى إجابة عن سؤال مفاده: ما الطريقة التي نجعل الثقافة تتكيف عبرها لتواكب المتغيرات الحديثة التي يشهدها العالم ومن بينها منطقة الخليج والجزيرة العربية بوجه خاص؟ فكان الجواب: يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستثمار في صناعة الثقافة.

وينصرف مفهوم الاستثمار في صناعة الثقافة حتى الآن إلى الجانب المادي للثقافة،والمتحقق في الآثار على اختلاف طبيعتها تلك التي تنتشر في المدن العصرية خاصة، ويسعى إليها الناس من بوابة السياحة الواسعة، التي تشمل قطاعات عديدة، أسهمت الثقافة فيها بدور بارز وأساسي، ومن بينها المتاحف وبقية المعالم الأثرية التاريخية، فضلاً عن كرنفالات الفنون الفلكلورية، والمهرجانات السينمائية والموسيقية، وغيرها من الأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة.

هذا ما كان سائداً لعقود طويلة في العالم ولا يزال ينصب الاهتمام عليها دون غيرها من الأبعاد الأخرى لمفهوم الثقافة، والعالم معذور أن يهتم بالجوانب المادية للثقافة، كونها تشكل دخلاً مالياً اقتصادياً، ولعل المثال الساطع على ذلك في هذا السياق هو برج إيفيل في باريس، الذي يعادل ثقله الاقتصادي السنوي 1 على 15 من الدخل القومي لفرنسا حسب الإحصاءات الرسمية، فصورته الخارجية، وسمعته تسمحان باستقطاب أعداد السياح، إلى جانب استغلال اسمه تجارياً، لكن مفهوم الاستثمار في صناعة الثقافة يقتضي الاهتمام في المؤثر لا الأثر فقط، بمعنى الاستثمار في الإنسان المثقف، والكاتب، والمبدع، والمبتكر، والإعلامي المتميز، الذي يعد الترويج والتسويق للمادة الثقافية، بصفتها سلعة، جزءاً من عمله الحيوي، ما يضمن على المدى المتوسط والبعيد منتجاً ثقافياً أجود، ويكون له مردوده المالي الاقتصادي.

إن تنمية الإنسان المؤثر في الثقافة وصناعتها هو بيت القصيد في معادلة الاستثمار في صناعة الثقافة، والتعامل معها كونها منتجاً وليس كونها هوية أو عادات وتقاليد، وهذا ما اتجهت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة، وتجلى بشكل عملي وملموس في دبي. ويتوقع لهذه الصناعة الثقافية أن تتجاوز في قوتها الصناعات الاقتصادية الأخرى، التي على شدة أهميتها يبرز لها عامل المنافسة في السوق العالمي كونه تحدياً كبيراً، لكن ما يكون الثقافة ويكرسها واقعاً يومياً في المجتمعات البشرية هو التعليم والاهتمام به؛ فالتعليم، كما نظر له الدكتور طه حسين، منذ ما يزيد على 40 عاماً، هو أساس الثقافة، والسبيل العملي، لأن يصبح المرء مثقفاً. والتعليم الذي قصده هو الذي ينشئ عقلية مبدعة فاحصة ناقدة، لا التعليم القائم على الحفظ والترديد «فذلك يكرس التخلف والتزمت»، حسب رؤيته. 

ولعله من نافلة القول: إن الاستثمار في صناعة الثقافة هو ليس استثماراً في الأثر الناجم عنها، لكنه استثمار في المؤثر الذي أنتجه، عبر إقامة مشاريع وبرامج لتحفيز الإبداع، ورعاية الموهوبين، وتسهيل فرص النجاح لهم، وتنمية وعي المجتمع بقيمة الثقافة وضرورة التعاطي معها، ومتى ما تحقق ذلك، وأحسبه سيتحقق، فسوف يتمكن المجتمع عندها من تحقيق نقلته الكبرى إلى المعرفة، ومن الفقر في الإبداع والإنتاج الثقافي إلى حالة من الحركية الإبداعية الدائمة.

طباعة Email