القيادة روح وخبرة ومغامرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

تستلهم هذه المقالة فكرةً أصيلةً من فصلٍ عميقٍ كتبه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، بعنوان «القيادة» في كتابه الرصين «رؤيتي: التحديات في سباق التميز» جعله الفصل السادس من هذا الكتاب الثمين أطال فيه القول والحديث حول المعنى العميق لمفهوم القيادة، وأنّ ذلك مما لا يمكن اكتسابه بمجرد الانتساب إلى كليات القيادة الكبرى في العالم، لينتهي سموه إلى أنّ القيادة غير مرتبطة بعوامل خارجية في جوهرها على الرغم من أهمية هذه العوامل لكنّ القيادة هي روح، وهي بحسب عبارة سموه «شيء لا يُزرع ولا يُنزع، ففي الروح القيادية أصالة عميقة وجذور ضاربة في الوراثة والفطرة، وأغصان تصقلها مؤثرات عدة مثل الزمن والحكمة والعلم والخبرة والتجربة والمهارة والاحتكاك بالآخرين»، ليذكر بعد ذلك نموذجًا حيًّا من أحد القادة الذين استلهم صاحب السموّ رؤاهم وخبرتهم وهو طيب الذكرى الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله الذي تعلّم منه أروع فكرتين في الشخصية القيادية: الحب، وقهر المستحيل.

في هذا السياق من الاهتمام المتواصل بصناعة القادة وترسيخ فكرة القيادة لدى الطلائع القادمة فضلاً عن الأجيال الحاضرة نشر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد وضمن وسمه المعروف «ومضات قيادية» على حسابه في إنستغرام، ومضة في غاية العمق والشفافية والإلهام ذهب فيها إلى الربط المتين بين النظرية والتطبيق فضلاً عن تحفيز الروح الوطنية وتعميق الحس بقيمة العمل والإنجاز المبدع في سبيل رفعة الوطن ومسيرته التنموية.

«كما نجحنا سابقاً في العديد من الميادين متجاوزين المخاوف، ومستلهمين روح الإمارات وخبرتها المتراكمة» بهذه العبارة القائمة على المقارنة بين الماضي والحاضر والتخطيط للمستقبل يشحن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذاكرة الوطنية بقيمة المنجز السابق الذي سيبقى مصدر إشعاع وتحفيز للطاقات التي ربما تسرّب إليها شيء من التردد وهواجس الخوف والقلق، فيذكّرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بأنّ المرحلة الماضية من عمر الدولة في مسيرتها التنموية لم تكن مرحلة مفروشة بالورود ومعبدة الطريق بل كانت كمثل كل الدول التي تبحث لها عن موقع متقدم بين الأمم محفوفة بالصعوبات والتحديات والعقبات التي ربما فتّتْ في عضد القيادة وملأت قلبها بالرهبة والتردد، لكنّ تصميم القيادة على تجاوز كل الصعوبات هو السبب الأعمق الذي كان وراء كل منجزات الدولة، وهذا يعني أن تظلّ الأجيال تستلهم تلك المرحلة التاريخية بكل ما فيها من منجزات وعقبات وتحديات لتظل تشعر بالقدرة على تقديم الأفضل في مسيرة الوطن الذي تتراكم خبراته على نحو فريد، ويتم استثمار هذه الخبرات بما يعود بالخير العميم على الوطن والإنسان.

«والناس يبدعون إذا توفرت لهم بيئة العمل المناسبة التي تحتضن أحلامهم وآمالهم في جوّ من الشفافية وتكافؤ الفرص» في هذا القسم من هذه الومضة القيادية الثمينة يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن الظروف الصحيحة والصحية لنموّ فكرة الإبداع وتجسدها واقعاً حقيقياً في الحياة، فالناس تنطلق طاقاتهم الإبداعية حين تتوفر لهم الظروف المناسبة التي تحترم جوهرهم وملكاتهم العقلية ولا تعوّل على غير ذلك من الاعتبارات الخارجية، فقيمة الإنسان في ذاته، وبمقدار ما تكون البيئة قادرة على احتضان أحلام الناس وآمالهم، وبمقدار ما توفر لهم من معايير الصدق والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بمقدار ما تنطلق هذه الطاقات تهدِر مثل الماكينات المبدعة التي لا تعرف الكلل، ولا نعرف نموذجًا حضاريًّا متفوّقًا يقوم على غير ذلك من المعايير، ولا تُصاب الأمة والمجتمعات بالشلل والروتين القاتل والنمطية السلبية إلا إذا تم تهميش الطاقة المبدعة للإنسان ليحلّ مكانها كثير من المعايير الزائفة كالواسطة والمحسوبية التي تقف عائقاً حقيقيًّا بين المجتمع وتحقيق ذاته الحضارية الرائعة.

«فليتقن كلٌّ منا عمله، وليبادر لتأدية واجبه قدر استطاعته بأمانة وإخلاص واضعاً مصلحة وطنه وأمته معياراً للفكر، ولنتسلح بالأمل والتفاؤل، فالتحديات التي نواجهها تتطلب المزيد من التنظيم والعمل الجماعي» وبهذه الخاتمة الرائعة المُلهمة يختتم صاحب السموّ هذه الومضة القيادية البديعة حيث يطلب بلغة القائد الواثق من كل مواطن أينما كان موقع عمله، ومهما كانت طبيعة عمله، فالجميع فريق واحد عبر عنه صاحب السمو بقوله «منّا»، يطلب منه أن يقوم على عمله بالإتقان وهو موقف أخلاقي نابع من ضمير الإنسان وتعاليم دينه وهو مما لا يختلف فيه البشر على اختلاف أديانهم وجنسياتهم، فهو غريزة أخلاقية جاءت الأديان بتنميتها ووضعها في مسارها الصحيح حين خاطبنا الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه بقوله: «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» فهذا الربط المدهش بين حب الله تعالى للإتقان وبين روح العمل هو من أكبر الدوافع لإنجاز الأعمال على خير وجه، فضلاً عن امتلاك روح المبادرة وأخلاقية الجرأة مقترنة بالأمانة التي هي الرقابة الداخلية على روح الإنسان وضميره، مع ما تستلزمه تلك الأمانة من مشاعر الإخلاص الصادقة للوطن والأمة بحيث تكتمل دائرة الإحساس العميق بالمسؤولية من خلال الشعور الصادق بالتفاؤل والأمل الذي يمنح العمل طعماً وجوهره، وينأى به عن دائرة الروتين والإلزام، فالفرق كبير وهائل بين موظف يؤدي عمله بحب وإخلاص وإحساس صادق بالتفاني وبين موظف يؤدي عمله من خلال الشعور بمجرد أداء العمل خوفًا من طائلة المسؤولية، فعلى النوع الإنساني الأول تنهض الدول وتتقدم الأوطان لا سيما إذا كان الجميع يعملون بروح الفريق الواحد الذي يواجه التحديات ويتحدى الصعاب بمزيد من التنظيم والتصميم على صناعة المستقبل الزاهر الذي يليق بالوطن وإنسان الحر النبيل.

طباعة Email